أخبار وطنيةكتاب الرأي

إيديولوجية الصالح العام..

بقلم : الدكتور عبد الله شنفار

مختلف خدمات وأنشطة المرافق العامة أو الإدارة ماهي إلا الصالح العام منفذ من قبلها؛ بحيث أن كل نشاطات وخدمات المرافق العامة هي مسخرة لهذا الجانب، لكن ألا يمكن القول أن هذه الوظائف هي مجرد ايديولوجية تحت غطاء الصالح العام؟ وماهي حقيقة هذا المبدأ؟ هل هو حقيقة أم مجرد وهم وشبح أو تصور معين للعالم؟
منبع هذه التساؤلات جاء من خلال عدم ثبات هذا المفهوم (الصالح العام)، حيث أن ما كان يقصد به الصالح العام مع المغربة والتأمين وتدخل الدولة في جميع الأنشطة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية … إلى غير ذلك أصبح مع بداية الثمانينات غير ذلك، أي مع انتهاج الدولة لسياسة الخوصصة، حيث أصبح “الصالح الخاص” المشخص.
فهذا الصالح العام إذن متغير، لربما استعمل كإيديولوجية لإبعاد الخواص.
فإذا كان هذا الصالح العام مقدسا، فلماذا يفوت إذن للخواص ادن؟
صحيح أن سوء التسيير والتدبير للعديد من الأنشطة التي تهم المرافق العامة؛ هو عنصر ظاهر للعيان، لكن حتى إذا سلمنا بذلك، يبقى بالنسبة لمن؟ للعموم؟ لذوي المصالح الشخصية الذين ألفوا الاستفادة منه؟ وبالتالي أصبح من التافه القول كون الإدارة تجسد فعلا الصالح العام ومهمتها العمل على تحقيقه.
فالصالح العام يحيل إلى فكرة النظام أي فلسفة أشخاص استطاعوا فرض هذه التوجهات أي السلطة السياسية، منفذة من قبل الإدارة من منظور العلوم الإدارية. ففي كل الأنظمة السياسية “الصالح العام” قد لا يختلف؛ فالصالح العام في برامج الأحزاب السياسية لا يختلف في شيء مهما تعددت رؤى الطرح والتوجهات؛ الوعود بالحقوق السياسية، الحرية، النزاهة، المساواة، الدفع بالاقتصاد، الحالة الاجتماعية، الثقافة التشغيل…إلى غير ذلك من الوعود الانتخابية.
والصالح العام L’intérêt général يختلف عن المنفعة العامةpublique L’utilité، من حيث الذين يشرفون ويقدمون الخدمة، فمثلا في القطاع الشبه العمومي وأيضا الخاص، لا يمكن على الأقل تصور المجانية، بحيث هذه الأنشطة والخدمات يستفيد منها فقط الذي يستطيع دفع الثمن، عكس ما هو عليه الأمر في أنشطة المرافق العمومية التي تهدف أيضا خدمة الصالح العام حيث يبقى تصور المجانية – على الأقل نظريا- ممكنا أي مفتوحا للعموم، فعيادة الطبيب ومكتب المحامي مفتوح للعموم، لكن العموم الذي يستطيع دفع التكلفة، وبالتالي فهو نشاط أو خدمة تهدف المنفعة العامة، عكس مستشفى ابن طفيل أو المامونية أو مرفق التقاضي الذي يبقى مفتوحا للعموم حتى في حال تعذر دفع التكلفة فهو يستفيد من المساعدة القضائية. وحتى في حال وجودها تبقى “رمزية”، وبالتالي فالمجانية تعتبر وسيلة قانونية ذات هدف سياسي واجتماعي من أجل الوصول إلى خدمات المرفق.
والتداخل بين المنفعة العامة والصالح العام يأتي من كون الأولى تخدم الثاني، بحيث أن نشاط الدولة يقوم به، إما شخص معنوي عام أو شخص معنوي خاص، أو في جزء منه شخص معنوي عام وفي الآخر شخص معنوي خاص، مثلا النقل. وأيضا نجد الشخص الخاص يعترف له بالامتياز، كنزع الملكية والاحتلال المؤقت، إلا أنه يخضع في علاقته للقانون الخاص.
فالصالح العام إذن، شكل هندسي حيث تقاطع مجموعة من المتناقضات دعت لها متطلبات التنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، حيث المجتمع هو الذي يحصد هذه النتائج سلبية كانت أو إيجابية. الصالح العام بهذه الصورة يحيل إلى كل ما هو اجتماعي، بحيث يعتبر عنصرا أساسيا في وظائف المجتمعات الحديثة أي الصالح العام كمخيال اجتماعي.
وقد عبرت العديد من المؤسسات والشركات العالمية، عن رغبتها في الاستثمار والاستقرار بالمغرب.
نستحضر هنا مضامين الخطاب الملكي السامي بمناسبة عيد العرش الذكرى العشرين، الذي جاء فيه: “وبقدر ما يبعث ذلك على الارتياح، للثقة التي يحظى بها المغرب، فإن القيود التي تفرضها بعض القوانين الوطنية، والخوف والتردد، الذي يسيطر على عقلية بعض المسؤولين؛ كلها عوامل تجعل المغرب أحيانا، في وضعية انغلاق وتحفظ سلبي.
فالذين يرفضون انفتاح بعض القطاعات، التي لا أريد تسميتها هنا، بدعوى أن ذلك يتسبب في فقدان مناصب الشغل، فإنهم لا يفكرون في المغاربة، وإنما يخافون على مصالحهم الشخصية.
بل بالعكس ، فإن الاستثمار الأجنبي في هذه القطاعات، سيدعم جهود الدولة، ليس فقط في توفير الشغل، وإنما أيضا في تحفيز التكوين الجيد، وجلب الخبرات والتجارب الناجحة.
ثالثا : رهان التسريع الاقتصادي والنجاعة المؤسسية : لبناء اقتصاد قوي وتنافسي، من خلال مواصلة تحفيز المبادرة الخاصة، وإطلاق برامج جديدة من الاستثمار المنتج، وخلق المزيد من فرص الشغل.
كما يتطلب الرفع من نجاعة المؤسسات، وتغيير العقليات لدى المسؤولين.
فالقطاع العام يحتاج، دون تأخير، إلى ثورة حقيقية ثلاثية الأبعاد : ثورة في التبسيط، وثورة في النجاعة، وثورة في التخليق.
وقد سبق أن دعوت إلى ضرورة تغيير وتحديث أساليب العمل، والتحلي بالاجتهاد والابتكار في التدبير العمومي.
• رابعا : رهان العدالة الاجتماعية والمجالية : لاستكمال بناء مغرب الأمل والمساواة للجميع.
مغرب لا مكان فيه للتفاوتات الصارخة، ولا للتصرفات المحبطة، ولا لمظاهر الريع، وإهدار الوقت والطاقات.
لذا، يجب إجراء قطيعة نهائية مع هذه التصرفات والمظاهر السلبية، وإشاعة قيم العمل والمسؤولية، والاستحقاق وتكافؤ الفرص.”
فنظريا نشاط المرافق العامة، وبالتالي نشاط الإدارة لا يتم في إطار العشوائية ولكن يخضع لنظام قانوني محدد، كمبدأ الاستمرارية، المجانية، المساواة، في وعلى وبالمرفق… إلى آخره وبالتالي كل نشاط الدولة يخضع إلى الشرعية والمشروعية (دولة الحق وبالقانون)، وعليه فالصالح العام هو أيضا مفهوم قانوني، يخضع للقانون.
نستنتج إذن أن الصالح العام هو حقيقة متغيرة وليس وهما، حيث يبقى هدف السياسة العامة اقتصادية كانت أو اجتماعية، ثقافية أو حضارية. فهو يخضع للشرعية من جهة، حيث أن شرعية الصالح العام تعني الأساس الفلسفي والنظري الذي ترتكز عليه السلطة الإدارية لتبرير كل تصرفاتها، أي تبعية الإدارة للنظام السياسي الذي وجدت فيه. وإلى المشروعية القانونية من جهة أخرى، أي احترام الإدارة في جميع أعمالها وأنشطتها للقواعد القانونية.
فمفهوم الصالح العام غير ثابت لارتباطه بفلسفة وتوجهات الأشخاص، فأحيانا قد يكون قانونيا، إلا أنه يفتقد للشرعية، حينما ينزع إلى زيادة تكلفة اجتماعية؛ وبالتالي القهر وإهدار حقوق وحريات الأفراد والجماعات، كما هو الشأن بالنسبة لسياسة الخوصصة. فقانونيا نجد البرلمان قد صادق على هذا الخيار في السياسة المالية بناء على قانون، ولكن مع ذلك أدى إلى نتائج اجتماعية واقتصادية متباينة، من حيث تقليص فرص الشغل، تسريح العمال، عدم المساواة في توزيع الثروة والدخل … إلى غير ذلك.
فالصالح العام قد يحيل إلى التسلط والهيمنة، وهكذا كثيرا ما تلجأ الإدارة إلى إضفاء الشرعية والمشروعية على أفعالها وأنشطتها باللجوء إلى هذا العنصر وفي ذلك تبرير وإضفاء للشرعية على العنف كخلل اجتماعي في العلاقة. مما يبرر القول بأيديولوجية الصالح العام الذي بدونه يفقد المجتمع حقيقة وجوده، من خلال وقوفه في وجه أساليب سائدة للتصرف تتطلب التصدي من خلال سياسة الإصلاح والتغيير.
فالمرافق العامة والإدارة في الختام هي نشاط أو عمل يهدف إلى تحقيق الصالح العام، او على الأقل يستفاد منها أنها تهدف هذه الغاية في نشاطها الشامل والكلي أي الدور المعترف به للدولة والأشخاص المعنوية العامة في إطار الامتياز الخاضع للشرعية والمشروعية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى