الإسراء والمعراج ورحلة في اللا زمن
بقلم د. عبد الله العمادي – روتز لاند
يوم أمس الأول احتفل المسلمون في بعض البلدان العربية والإسلامية بحادثة الإسراء والمعراج العجيبة، رغم اختلاف العلماء في توقيتها، لكن يبدو أنه تعارف الناس على أنها في أواخر شهر رجب. ولست هنا بصدد الدخول في نقاشات لا تثمر كثيراً، ولكن للتحدث حول أهمية استثمار مثل هذه الأحداث متى حان وقت ذكراها السنوية، في تعميق الإيمان بالله وحبنا للنبي الأكرم محمد – صلى الله عليه وسلم – باعتبار أن الغرض الأساسي من أي احتفالية، بغض النظر عن طريقتها وأسلوبها، هو التدبر والتفكر، أو هكذا المفترض أن يكون.
بادئ ذي بدء، أجد أن حادثة أو معجزة الإسراء والمعراج – إن صح التعبير – ليست بذاك الأمر السهل الذي يمكن أن يمر على العقل والمنطق البشري، سواء في عهد النبي الكريم أو في وقتنا الحاضر. إذ مثلما لم يستطع مشركو قريش تصديق الحادثة، بل وارتد عدد من المسلمين يومها، تجد اليوم أيضاً من هم في أعلى المراتب الفكرية والثقافية والعلمية، ينكرونها ويعدونها من الأساطير أو الأحلام، سواء كان عدم تصديقهم لعجز عقولهم عن استيعابها، أو لحاجات في نفوسهم تجاه هذا الدين وأهله.
لا ريب في أن معجزة الإسراء والمعراج كانت خارج حدود العقل والخيال الإنساني يومها، وهو ما حدث فعلياً مع نفر من قريش يوم أن حدثهم بالواقعة رسولنا الكريم عليه الصلاة والسلام. حيث لم يصدقه حينها سوى أبي بكر الذي سُمي بعدها بالصديق، ليس لأنه كان عالماً بالفيزياء وعلوم الفلك، بل لأن إيمانه لم يدعه يشكك لحظة في مصداقية الرسول – صلى الله عليه وسلم – وقد قال للمشركين يومئذ: “إنه صادق في ذلك. أنا أصدقه في خبر السماء فكيف لا أصدقه في خبر الأرض”؟.
رغم أن هناك ممن أسلموا ولم يستقر الإيمان بعدُ في قلوبهم، ارتدوا حين سمعوا بالقصة من النبي – صلى الله عليه وسلم – كان هناك بالمقابل كثير من الصحابة الذين ثبت الإيمان في قلوبهم. تلقوا الأمر وصدقوه رغم قلة علمهم بالفلك والأجرام السماوية وقوانين الفيزياء، لكنهم آمنوا بالذي أتاهم من عند الذي لا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحيٌ يوحى. وهذه نقطة أساسية في مسائل المعجزات، إذ هي اختبار للقلوب بالدرجة الأولى، فهناك قلوب تعزز المعجزة الإيمان بداخلها فتثبت أكثر فأكثر. وهناك قلوب تهزها المعجزة من اللحظات الأولى، فترتد على أعقابها خاسرة.
اليوم قد يختلف الأمر بعض الشيء مع المعجزات عند ملايين المسلمين، إن معجزة مثل الإسراء والمعراج، نؤمن بها دون شك، لماذا؟ لأن المسألة أولاً هي إيمان بغيب، وهو ركن من أركان الإيمان الستة، وثانياً لأن العلم تطور ولا يزال يتطور، وبالتالي اتسعت بسبب ذلك مداركنا، وصار إلى علمنا أن الانطلاق نحو الفضاء ليس بالأمر الغريب – كما كان عند مشركي قريش يومئذ – إن تمت مراعاة قوانين فيزيائية معروفة لنا اليوم، كقوانين السرعة والضغط والاحتكاك وغيرها. وتلك العلوم والقوانين لا شك أنها تساعد كثيراً في تصديق غيبيات أو معجزات وقعت قبل أكثر من ألف عام.
التقدم العلمي الهائل الذي حصل خلال مائة عام يساوي حصيلة علوم آلاف السنين الفائتة بشهادات علماء وباحثي هذا العصر، وهو ما يدعو إلى مزيد من الإيمان وليس العكس، وهذا ما يثير الاستغراب حين تجد أساطين الفكر والثقافة يشكك أحدهم في معجزة مثل الإسراء والمعراج، وهو ما يدعو إلى التساؤل: كيف لإنسان متعلم يرى ويسمع ويقرأ المكتشفات والاختراعات المبهرة المدهشة كل يوم، ثم يجحد أو يشكك في غيبيات ومعجزات الأنبياء. والإسراء والمعراج أبرزها؟.
رحلة المعراج تكريم إلهي للنبي الكريم
جانب آخر أو غرض ثان من أغراض الاحتفال بحادثة الإسراء والمعراج، أن الرحلة هي تكريم ودعم سماوي للنبي محمد – صلى الله عليه وسلم – من بعد أن مر بظروف أرضية قاسية، دعم سماوي يختلف عن أي دعم يمكن أن يخطر على قلب بشر، دعم سيمر عبره النبي الكريم بأمر خارق لكل قوانين الكون ونواميسه، حيث بدأ التكريم والدعم برحلة أرضية ليلية غاية في السرعة، من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى – حرره الله من دنس الصهاينة – وكأنما هي إشارة إلهية لكل المسلمين على الارتباط الوثيق الذي لابد أن يستمر بين المسجدين إلى يوم الدين، لا يجوز التفريق بينهما أو التفريط في أحدهما أو كليهما لأي مغتصب لا يؤمن بالله ورسوله.
يستمر التكريم السماوي لنبينا الكريم – صلى الله عليه وسلم – ليجد بقدرة إلهية، الأنبياء والمرسلين ينتظرونه في المسجد الأقصى ليصلي بهم، حتى إذا ما انتهت الصلاة، استمر النبي الكريم مع صاحبه جبريل في رحلة التكريم، وبدء العروج إلى السماوات السبع وسدرة المنتهى حيث ينتهي علم كل شيء، ليواصل بعدها حبيبنا – صلى الله عليه وسلم – وحده العروج إلى نقطة غير مسموح لأي مخلوق تجاوزها، حتى عظيم الملائكة جبريل عليه السلام. لينطلق محمد بن عبد الله – عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام – وحيداً للتشرف بلقاء الله عز وجل، وما دار بينهما من أحاديث وتفاصيل لا أحد يدري عنها شيئاً سوى ما تحدث عنه النبي الكريم – صلى الله عليه وسلم – ويمكن الرجوع إليها لمن أحب الاستزادة، في كتب الأحاديث والتفاسير المختلفة.
الإسراء والمعراج حدث كوني وقع في (اللازمن) كما يقول العالم الرباني الراحل الدكتور صبري دمرداش. وقع الحدث بقدرة الله المطلقة، حيث تتعطل وفق المشيئة الإلهية كل القوانين والأبعاد الكونية المعروفة، فلا زمن ولا مسافات، رأى خلالها النبي من آيات ربه الكبرى، وبعبارة أخرى، سافر الحبيب إلى المستقبل ورأى الجنة والنار والكثير الكثير من المشاهد، ثم عاد إلى بيته في مكة ولا يزال فراشه دافئاً كما تقول أم هانئ بنت عم الرسول صلى الله عليه وسلم، التي كان الحبيب قد نام ببيتها ليلة الإسراء، فأي قوة هذه تأخذ بإنسان من مكة إلى فلسطين ثم العروج به للسماوات وما بعدها والعودة به إلى بيته، في زمن يبقى خلاله الفراش دافئاً لم يبرد؟.
لا شك أنها قوة مطلقة، كما يقول الشيخ الشعراوي رحمه الله، فإن قطع المسافات يأخذ من الزمن على قدر عكس القوة المتمثلة في السرعة، أي أن الزمن يتناسب تناسباً عكسياً مع القوة، فلو أردنا مثلاً الذهاب إلى المدينة المنورة، سيختلف الزمن لو سرنا على الأقدام عنه إذا ركبنا سيارة أو طائرة، فكلّما زادت القوة قلّ الزمن، فما بالك لو نُسب الفعلُ والسرعةُ إلى الله تعالى؟ فإذا كان الفعل من الله فلا زمنَ، أي إنها رحلة خلت من الزمن، لأنك حين تنسب الفعل إلى فاعله يجب أن تعطيه من الزمن على قدر قوة الفاعل.
هذه الذكرى السنوية – بغض النظر عن توقيتها – فرصة للتفكر والتدبر والتأمل. إذ كلما قرأ أحدنا حول الإسراء والمعراج وبحث وتأمل فيها حق التدبر والتأمل، فلا شك أنه سيزداد إيماناً وخشوعاً، وخاصة أننا نعيش عصر الفضاء والفيزياء وعصر السرعات الهائلة، وكلها عوامل إضافية مساعدة على التدبر والتأمل. ولعل هذا هو المقصد والغرض الأساسي من التفكر في الحدث، الذي نستحضره ونتذكره كل عام، لا لنختلف في تفصيلاته وجزئياته، بقدر ما هو مناسبة طيبة وفرصة أطيب لتعميق الإيمان وزيادة الحب لهذا النبي الكريم العظيم، عليه وعلى آله وصحبه أفضل الصلاة وأزكى التسليم.
abdulla.emadi@gmail.com