خطاب العرش 2026.. الاستقرار بوابة التنمية ورهان المرحلة المقبلة
بقلم : ذ بشرى مبكير / طالبة باحثة بسلك ماستر الإعلام والصناعة الثقافية
لم يكن خطاب العرش لسنة 2026 مجرد مناسبة لاستعراض حصيلة الإنجازات الوطنية، بل جاء ليحدد ملامح مرحلة جديدة في مسار الدولة المغربية، قوامها ترسيخ الاستقرار، وتعزيز السيادة الاقتصادية، والاستعداد لاستحقاقات سياسية وتنموية قادمة.
منذ افتتاح الخطاب، اختار جلالة الملك محمد السادس أن يوجه رسالة ذات بعد إنساني، حين أكد أن غايته لم تكن يومًا تحقيق مجد شخصي أو البحث عن الاعتراف الدولي، وإنما خدمة المواطن المغربي وتمكينه من شروط العيش الحر الكريم. وتؤسس هذه الرسالة لرؤية تجعل الإنسان محور السياسات العمومية، وتربط نجاح الدولة بقدرتها على تحسين حياة المواطنين.
سياسيًا، أبرز الخطاب أن الاستقرار لم يعد مجرد معطى مؤسساتي، بل أصبح رأسمالًا استراتيجيًا في عالم تتزايد فيه الأزمات والاضطرابات. فجاءت العبارة: “فالاستقرار اليوم، هو العامل الأساسي في معادلة التنمية، وهو الرأسمال الاستراتيجي الذي يعتز به المغرب” لتختزل فلسفة المرحلة، حيث اعتُبر الأمن والاستقرار شرطًا لجذب الاستثمار، واستمرار الإصلاحات، وتعزيز الثقة في المؤسسات.
اقتصاديًا، حمل الخطاب لغة الأرقام والمؤشرات. فقد استحضر معدل النمو، والنتائج التي حققتها قطاعات السيارات والطيران والطاقات المتجددة، إلى جانب إطلاق مشاريع مرتبطة بالهيدروجين الأخضر والصناعات الدفاعية والأمن السيبراني. ويعكس ذلك انتقال المغرب إلى اقتصاد أكثر تنوعًا، قائم على التصنيع والتكنولوجيا والابتكار، بدل الاعتماد على القطاعات التقليدية وحدها.
كما أن تأكيد جلالة الملك على أن المغرب أصبح أول مصدر للسيارات في إفريقيا، وعلى دخول المملكة مجالات صناعية متقدمة، يكشف عن إرادة واضحة لترسيخ موقع المغرب داخل سلاسل الإنتاج العالمية، وتعزيز سيادته الصناعية في ظل التحولات الاقتصادية الدولية.
ومن أبرز الرسائل التي حملها الخطاب أيضًا، الدعوة الصريحة إلى القطاع المالي للانخراط بقوة في تمويل الاستثمار والمقاولات الصغيرة والمتوسطة. فالتنمية، وفق التصور الذي عبر عنه الخطاب، لا يمكن أن تستمر بالاعتماد على التمويل العمومي فقط، بل تحتاج إلى تعبئة الادخار الوطني وتوسيع آليات التمويل، بما يخلق دينامية اقتصادية أكثر شمولًا.
وعلى المستوى الخارجي، أكد الخطاب أن المغرب أصبح شريكًا دوليًا موثوقًا وفاعلًا يحظى بالاحترام، وهو ما يعكس استمرار السياسة الخارجية القائمة على تنويع الشراكات وبناء علاقات متوازنة، تخدم المصالح الوطنية وتمنح المملكة هامشًا أوسع في محيط دولي سريع التغير.
سياسيًا، حمل الخطاب إشارة لافتة إلى الانتخابات التشريعية المقبلة، إذ ربط انبثاق الحكومة الجديدة بإطلاق دورة تنموية جديدة عنوانها تحصين المكتسبات ومواصلة الإصلاحات الكبرى. وهي رسالة تؤكد أن الاستحقاقات الانتخابية ليست مجرد محطة دستورية، بل مدخل لتجديد الدينامية التنموية وتعزيز فعالية المؤسسات.
في المجمل، يمكن القول إن خطاب العرش لسنة 2026 انتقل من منطق الاحتفاء بالمنجزات إلى منطق بناء المرحلة المقبلة. فقد رسم معالم مشروع وطني يقوم على ثلاث ركائز مترابطة: الاستقرار كضمانة، والسيادة الاقتصادية كخيار استراتيجي، والإنسان كغاية نهائية لكل السياسات العمومية. ويبقى نجاح هذه الرؤية رهينًا بقدرة مختلف الفاعلين على ترجمة هذه التوجيهات إلى برامج عملية تنعكس آثارها على التنمية والعدالة الاجتماعية وجودة حياة المواطنين.