أخبار وطنيةكتاب الرأي

قبل فوات الأوان.. هل يتكرر سيناريو الحشرة القرمزية مع النحل المغربي؟

بقلم : أحمد بومهرود باحث في الإعلام و الصناعة الثقافية

من صدمة التين الشوكي إلى إنذار الدبور الشرقي.. حماية النحل اليوم مسؤولية بيئية واقتصادية ووطنية

هناك دروس لا ينبغي أن نتعلمها مرتين، قبل سنوات، بدا انتشار حشرة صغيرة في حقول التين الشوكي بالمغرب وكأنه مجرد مشكلة زراعية يمكن احتواؤها. لكن الحشرة القرمزية ، التي سجل ظهورها في المغرب سنة 2014، سرعان ما تحولت إلى آفة ألحقت أضراراً واسعة بمزارع التين الشوكي في مناطق المملكة، وأظهرت كيف يمكن لآفة دخيلة أن تنتقل بسرعة من نطاق محدود إلى تهديد ذي أبعاد اقتصادية وبيئية.

اليوم، يبرز إنذار بيئي جديد، هذه المرة من بوابة النحل وتربية النحل والتنوع البيولوجي، إنه تسجيل الدبور الشرقي ، إلى جانب الدبور الأوروبي ، في مناطق من شمال المملكة، وفق دراسة علمية منشورة سنة 2026 استندت إلى معاينات ميدانية جرت خلال سنة 2025، بعد توصل الباحثين بشكاوى متكررة من مربي النحل.

ولا يعني هذا أن المغرب أمام أزمة وطنية، ولا أن الدبور الشرقي سيكرر بالضرورة سيناريو الحشرة القرمزية. لكن وجود النوعين واستقرار الدبور الشرقي في بعض المواقع، والعثور على أعشاش له، يفرض التعامل مع المعطى باعتباره إشارة تستحق الرصد العلمي المبكر قبل أن تتحول إلى مشكلة يصعب احتواؤها.

من مشاهدة عابرة إلى إنذار يستحق الرصد

تكمن أهمية المعطيات العلمية الجديدة في أنها لا تتحدث فقط عن مشاهدة حشرة هنا أو هناك، وإنما عن تسجيل واستقرار أنواع من هذا جنس في عدد من المواقع بشمال المغرب، بينها مناطق في محيط تطوان ومرتيل والمضيق والفنيدق.

والعثور على أعشاش للدبور الشرقي يجعل السؤال أكثر إلحاحاً: هل نتعامل مع حالات محدودة ومعزولة، أم أن هناك مجالاً جغرافياً أوسع للانتشار لم تتم معاينته بعد؟

الإجابة لا يمكن أن تكون بالتخمين أو بتداول الصور على مواقع التواصل الاجتماعي، وإنما تحتاج إلى مسح ميداني منتظم، وتحديد دقيق للأنواع، ورصد لمناطق انتشارها، ودراسة طرق وصولها وانتقالها وقدرتها على الاستقرار.
وهنا تبدأ الوقاية الحقيقية.

النحل ليس مجرد عسل

حين نتحدث عن حماية النحل، فإن القضية لا تتعلق فقط بالنحال الذي ينتظر موسم جني العسل، النحل جزء أساسي من المنظومة البيئية والزراعية، ويساهم في تلقيح عدد كبير من النباتات والمحاصيل والأشجار المثمرة. ولذلك فإن أي ضغط مستمر على طوائف النحل قد تتجاوز آثاره حدود المنحل لتصل إلى الحقول والبساتين والتنوع البيولوجي وخدمات التلقيح التي تعتمد عليها أنظمة زراعية عديدة.

ومن هذه الزاوية، فإن حماية النحل هي أيضاً حماية لجزء من الأمن البيئي والغذائي والاقتصاد القروي، ولهذا فإن التعامل مع الدبور الشرقي لا ينبغي أن ينظر إليه باعتباره قضية تخص مربي النحل وحدهم، بل باعتباره موضوعاً يستحق اهتمام الباحثين والقطاعات المعنية والسلطات المحلية والنحالين على حد سواء.

ماذا تعلمنا من الحشرة القرمزية؟

تقدم تجربة الحشرة القرمزية درساً واضحاً في أهمية الإنذار المبكر، فكلما تأخر اكتشاف الآفة وفهم طبيعة انتشارها، ازدادت صعوبة احتوائها وارتفعت كلفة مواجهتها. وقد أظهرت تجربة التين الشوكي بالمغرب أن التعامل مع الآفات النباتية لا يمكن أن يقوم فقط على التدخل بعد اتساع رقعة الضرر، وإنما يحتاج إلى البحث العلمي والرصد والمراقبة والتدخل في الوقت المناسب.

ومن هنا، فإن المقارنة بين الحشرة القرمزية والدبور الشرقي ليست مقارنة بين آفتين متطابقتين، فلكل منهما طبيعتها ودورة حياتها وآثارها المختلفة، وإنما هي مقارنة في منهج التعامل مع الإنذارات البيئية.

والسؤال الذي ينبغي طرحه اليوم ليس: هل سيكرر الدبور الشرقي ما فعلته الحشرة القرمزية؟، بل هل سننتظر حتى يتسع انتشاره قبل أن نعرف حجمه الحقيقي؟

من الشمال إلى باقي جهات المملكة.. الرصد أولاً

إن تسجيل الدبور الشرقي والدبور الأوروبي في شمال المغرب لا يعني، وفق المعطيات المتاحة، أنهما انتشرا في جميع أنحاء المملكة، وهذه نقطة ضرورية حتى لا يتحول التحذير العلمي إلى تهويل.

لكن في المقابل، فإن ظهور هذه الأنواع في شمال البلاد يبرر التفكير في منظومة وطنية للرصد، تشمل المناطق التي تضم المناحل، والمجالات الزراعية والغابوية، والمناطق القريبة من الموانئ ومحاور النقل، وغيرها من المواقع التي قد تمثل نقاطاً محتملة لدخول الأنواع أو انتقالها.

كما أن النحالين يمكن أن يشكلوا خط دفاع أول في هذه العملية، لأنهم الأكثر احتكاكاً بالخلايا والأقدر على ملاحظة التغيرات غير المعتادة في محيط المناحل.

ولهذا، سيكون من المفيد وضع آلية واضحة ومبسطة للتبليغ عن المشاهدات، تعتمد على الصور أو العينات الموثقة، على أن تتولى الجهات العلمية المختصة التحقق من هوية الحشرة وتقييم مستوى الخطر.

لا للمكافحة العشوائية

لكن اليقظة لا تعني إطلاق العنان للمكافحة العشوائية، فالخوف من الدبابير قد يدفع بعض الأشخاص إلى استعمال مبيدات أو وسائل غير مدروسة، وهو ما قد يؤدي إلى أضرار جانبية تطال النحل والحشرات النافعة والكائنات الأخرى.

لذلك، فإن التعامل مع الأعشاش أو بؤر الانتشار يجب أن يتم وفق بروتوكول علمي واضح، يبدأ بتحديد النوع، وتقييم مستوى الخطورة، وتحديد موقع العش، ثم اختيار وسيلة التدخل المناسبة تحت إشراف المختصين.

المطلوب ليس القضاء على كل حشرة تشبه الدبور، وإنما حماية المناحل والبيئة من الأنواع التي يثبت علمياً أنها تمثل تهديداً في سياق معين، وهذا الفرق جوهري بين المكافحة العلمية ورد الفعل العشوائي.

خطر يتجاوز المناحل

لا يتوقف الموضوع عند النحل وحده، فالدبابير مفترسات تتغذى على عدد من الحشرات، وقد وثقت الدراسات افتراسها لنحل العسل وغيره من الحشرات. كما أن الدراسة التي تناولت تسجيل هذه الأنواع في المغرب دعت إلى مزيد من البحث في آثارها المحتملة على تربية النحل والنظم البيئية، وكذلك على الصحة العامة.

ومن هنا، فإن العثور على أعشاش في بعض المواقع يفرض الحذر، خصوصاً عندما تكون قريبة من أماكن يرتادها المواطنون، لكن الحذر لا يعني نشر الخوف، المطلوب هو معلومة دقيقة، وتوعية مسؤولة، وتدخل مختص عند الضرورة.

المغرب يملك الخبرة.. والمطلوب تفعيلها مبكراً

أثبت المغرب خلال السنوات الماضية أن لديه مؤسسات وباحثين وخبرات قادرة على التعامل مع عدد من الآفات والمخاطر التي تهدد القطاع الفلاحي والموارد الطبيعية.

كما أن تجربة الحشرة القرمزية دفعت إلى تكثيف البحث العلمي حول سبل الحد من آثارها، بما في ذلك البحث عن أصناف مقاومة من التين الشوكي وتطوير وسائل للمكافحة البيولوجية.

وهذه الخبرة يمكن أن تشكل قاعدة لبناء مقاربة استباقية تجاه الدبابير، تقوم على التعاون بين الباحثين والجامعات ومراكز البحث والقطاعات المعنية والنحالين والسلطات المحلية، فالوقاية لا تبدأ عندما يصبح الضرر واضحاً للجميع، وإنما تبدأ عندما تظهر أولى المؤشرات التي تستحق المتابعة.

لا نريد أن يصبح عسلنا هو التين الشوكي القادم

قد تبدو العبارة قاسية، لكنها تختصر جوهر الرسالة، لا أحد يستطيع اليوم أن يجزم بأن الدبور الشرقي سيكرر مع النحل السيناريو الذي عرفه المغرب مع الحشرة القرمزية. كما لا توجد معطيات تسمح بالقول إن المملكة مقبلة على كارثة في قطاع تربية النحل.

لكن في المقابل، لا يمكن أيضاً تجاهل ظهور النوع وتسجيل أعشاشه في بعض المناطق، أو الانتظار حتى تتضح الصورة بعد فوات الأوان، فالمطلوب ليس التخويف من المستقبل، وإنما الاستعداد له بالعلم.
أن نعرف أين يوجد الدبور.
وأن نحدد مدى انتشاره.
وأن نفهم طرق انتقاله.
وأن نرصد تأثيره على المناحل والحشرات الملقحة.
وأن نضع بروتوكولات واضحة للتبليغ والتدخل.
كل ذلك قبل أن تصبح المعالجة أكثر تعقيداً وكلفة.

الوقاية قبل الندم

حماية النحل المغربي ليست مسؤولية النحال وحده، إنها مسؤولية تشترك فيها منظومة كاملة: الباحث، والجامعة، والقطاع الفلاحي، والجهات البيئية، والسلطات المحلية، والنحالون، والمجتمع المدني، ووسائل الإعلام.

والمطلوب اليوم ليس إعلان حالة طوارئ، وإنما إطلاق يقظة علمية منظمة: رصد وطني لأنواع الدبابير، تحديد دقيق لمناطق وجودها، متابعة مسارات انتشارها، تكوين النحالين على التعرف إليها، إنشاء قنوات واضحة للتبليغ، ووضع بروتوكولات علمية للتدخل عند اكتشاف الأعشاش.

لقد علمتنا تجربة الحشرة القرمزية أن تجاهل الإنذار المبكر قد يجعل فاتورة التدخل أكبر بكثير، واليوم، يظهر إنذار جديد في عالم النحل.

فهل ننتظر حتى يتحول السؤال إلى أزمة؟..الوقت ما زال مناسباً للرصد، والبحث، والوقاية.

لأن حماية النحل ليست دفاعاً عن العسل وحده، وليست حماية لمهنة النحالين فقط؛ إنها دفاع عن التلقيح، والزراعة، والتنوع البيولوجي، والاقتصاد القروي، وعن توازن بيئي لا يمكن تعويضه بسهولة إذا اختل، وفي القضايا البيئية، لا تكون الوقاية مبالغة في الحذر، بل تكون دائماً أقل كلفة من الندم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى