عافية صابر : حين يتحول الألم إلى قوة، قصة كفاح ونجاح تُلهم الأجيال

المغرب نيوز
في مجتمع يواجه فيه الشباب تحديات البطالة وضغوط المعيشة، تبرز قصص تلهم الأمل وتعيد الثقة في أن الأحلام ممكنة. ومن بين هذه القصص الملهمة، تلمع تجربة “عافية صابر”، السيدة التي جعلت من الألم وقوداً لرحلة نجاح استثنائية.
وُلدت عافية في أسرة بسيطة الحال ومتعددة الأفراد بحي سيدي مومن بمدينة الدار البيضاء، لم يكن طريقها مفروشاً بالورود، بل كان مليئاً بالطموح والتحديات، وكان أول تحدياتها تفوقها الدراسي، تتذكر عافية تلك المرحلة قائلة:
“كنت أعود من المدرسة لأساعد والدتي في أعمال البيت، ثم أواصل دراستي حتى ساعات متأخرة من الليل، كان الإرهاق شديداً، لكني كنت أقول لنفسي دائماً: لن أسمح لهذه الظروف أن تحدد مستقبلي.”
رغم كل الضغوط، واصلت عافية تعليمها حتى حصلت على شهادة جامعية في القانون بتفوق، لكن أعباء الأبناء منعتها من التحليق عاليا في التحصيل الدراسي، بعد تفرغها لتربية أبناءها الإثنين، “عهد” و “ياسين”، لتحصد نتائج تربيتها الفذة لفلذات كبدها، حيث تخرجت عهد بعد 25 سنة من الكد والاجتهاد من إحدى جامعات روسيا طبيبة مميزة في جراحة الدماغ، حيث تعمل الآن في إحدى مستشفيات ألمانيا، فيما توج “ياسين” أيضا هذه السنة في نفس الجامعة، حيث أصبح هو الآخر طبيبا في الطب الباطني، فيما آخر الشتلات، الصغيرة الجميلة “رغد”، ترسم لها طريقا يوازي طريق إخوتها في العلم والتحصيل والنجاح.
تقول عافية : “مررت بلحظات صعبة جدا في حياتي، شعرت معها أن كل الأبواب مسدودة في وجهي، لكن والدي قال لي جملة غيرت حياتي: إذا لم تجدي فرصة، اصنعيها بنفسك.”
استجمعت عافية قوتها وقررت أن تتحول من مرافقة للتلاميذ في سيارات النقل، فأستاذة، إلى صاحبة مشروع. بدأت بروض أطفال صغير، مستخدمة ما تبقى من مدخراتها. كانت البداية شاقة، إذ واجهت نقص التمويل، ضعف التسويق، وحتى تعليقات محبطة من بعض المحيطين بها.
إصرارها أثمر أخيراً، نجحت في تأسيس مؤسسة تعليمية خصوصية بمواصفات تعليمية رائعة، وببعد إنساني محض، أسمتها “الجذور” لإيمانها الشديد بأن كل حلم له جذور، ومع الوقت توسع المشروع ليتواجد في أكثر من أربعة مدن، واليوم، يوفر مشروعها أكثر من 100 فرصة عمل مباشرة ويساهم في دعم دخل عشرات الأسر، ويستوعب كل اليائسين من فرصة للتفوق، ومجانية التعليم لليتامى والمعوزين.
تقول عافية بفخر:
“أجمل لحظات رحلتي عندما يأتيني أكثر من شاب وشابة، ويشد على يدي، ويقول لي : شكراً أستاذة لأنك منحتني فرصة للتعلم والتحصيل والنجاح، وهي أشياء جعلتني الآن موضفا أوعاملا في مؤسسة ما، أعيل أسرتي بكرامة وفخر.”
قصة عافية لم تتوقف عند النجاح المهني، فقد أصبحت صحفية تعبر بقلمها الناقد عن هموم المواطن البسيط وانتظاراته، بالاضافة لولوجها لميدان الانتاج السينمائي، إيمانا منها بدور الفن في الرقي بالمجتمع، وكلما أتيحت لها الفرصة تلقي محاضرات وورشات لتحفيز الآخرين على مواجهة الصعوبات وعدم الاستسلام للفشل.
قصة السيدة “عافية صابر” تؤكد أن النجاح ليس حكراً على من يولدون في ظروف مثالية، بل هو ثمرة الإيمان بالنفس، الصبر، والتعلم من كل سقوط، إنها دعوة مفتوحة لكل من يقرأ قصتها ليحوّل لحظات الإحباط إلى نقاط انطلاق نحو مستقبل أفضل.




