هل وصلنا إلى مفهوم الالتقائية في السياسات العامة والعمومية الترابية!
بقلم : الدكتور عبدالله شنفار
ما هو المقصود بالالتقائية؟
كيف نتجاوز ذهنية كلها يلغي بلغاه في برمجة المشاريع ورصد الاعتمادات لتلبية الطلبات الاجتماعية من طرف مختلف المتدخلين؟
فانا لدي أهداف على مستوى قطاعي أو جهوي محددة. وأنت لديك أهداف معينة على المستوى الإقليمي أو المحلي؛ ومن خلال البحث في استقراء اهدافي وأهدافك؛ استطعنا الوصول إلى نقط متقاطعة في إطار جدلية اعتماد متبادلة في معادلة اهدافي وأهدافك.
لفهم المقصود بالالتقائية كفهم اصبح يروج في مجال البحث في إطار حقول علم السياسة والقانون الدستوري؛ يجب استحضار المعطيات والعناصر التالية:
– ظهور انماط جديد في مقاربة التنمية على المستوى الوطني وتراجع ادوار الدولة في ظل تنامي دور الجهوي والمحلي واللجوء الى البحث عن شركاء في رسم السياسات العامة والعمومية والقطاعية.
كذلك يجب استحضار التاريخ؛ لرصد تطور النظرة للتدبير المحلي أو الجهوي او الإقليمي.
منذ التخلي عن التخطيط سنة 1993 حتى حدود 1998، حيث قررت الدولة العودة الى هذه الآلية سنة 2000 حيث تم العمل بمخطط خماسي للتنمية الاقتصادية والاجتماعية للفترة الممتدة ما بين:2000 و 2004.
ومواكبة لهذا التوجه وحتى تطابق السياسات العامة المحلية السياسات العامة على المستوى الوطني وتجاوز الازدواجية والتكرار والتناقض والتداخل والارتجالية والعشوائية والتخبط والمواجهة والصراع المحتدم بين مختلف المتدخلين جهويا واقليميا ومحليا ووطنيا في السياسات العامة والقطاعية والسياسات العمومية الترابية وغياب التناغم بين مختلف المشاريع المنجزة او المراد إنجازها؛ تم توجيه دورية وزارية تحت رقم: 77 لشهر فبراير 1999 الى العمالات والأقاليم تحدد الكيفيات الواجب اتباعها لإعداد مخططات للتنمية الاقتصادية والاجتماعية على مستوى الجماعات المحلية مواكبة للتوجهات العامة للحكومة.
وهكذا تم وضع مخططات بناء على معايير تراعي اهمية التنظيم المؤسساتي عبر ثلاث مستويات ومن خلال خمسة مراحل:
المرحلة الاولى: همت المستوى الجهوي.
المرحلة الثانية: على المستوى الاقليمي.
المرحلة الثالثة: تمت على المستوى الجماعي او المحلي.
المرحلة الرابعة: تمت بالرجوع الى المستوى الاقليمي لبرمجة المشاريع الاقليمية على مستوى الجماعات التي يتكون منها الاقليم؛ على اعتبار ان الاقليم عنصر منسق.
المرحلة الخامسة: وهي الرجوع الى المستوى الجهوي كإطار للبرمجة الجهوية والتنسيق الجهوي .
هذا، وعلى الرغم من الانجازات التي تحققت في ظل هذه المخططات إلا انها ظلت محتشمة وكانت ذات طبيعة ارتجالية في ظل غياب نظام معلوماتي يتضمن بنك معلومات وجرد للطلبات والمعطيات من خلال جذاذات علمية مضبوطة وكذا غياب توقعات مضبوطة حول المداخيل والمصاريف التقديرية المتوقعة وعدم مواكبة المخطط للمدة الانتدابية كأجندة التزام للنخبة المحلية وكذا انتهاج سياسة المخططات على المدى الطويل الذي يتم على مدى (5 سنوات) عوض المدى المتوسط الذي يحدد في (3 سنوات). الشئ الذي تم تداركه سنة 2009 حسب مقتضيات الميثاق الجماعي السابق كما تم تعديله وتتميمه. وهنا نستنتج غياب عنصر الالتقائية في البرامج على مستوى السياسات العامة والقطاعية على المستوى الوطني؛ والسياسات العمومية الترابية.
يجب كذلك استحضار ان الحداثة ليست مفهوما مستقلا بذاته، بل ظهوره جاء نتيجة أزمات التدبير التفليدية، حيث ولد في ظل التدبير المقاولاتي مند الثمانينات، حيث ثم استعماله لانتقاد السياسات العامة المنتهجة من طرف الحكومات من فبل البنك الدولي؛ كسياسية التقويم الهيكلي، ومؤشرات النمو ونهج سياسة التقشف وغيرها …
فالإلتقائية في البرامج المحددة على المستوى الوطني؛ بين الجهة والإقليم والجماعة الترابية، تميل إلى الإنجاز دون تناقض أو تكرار أو الاستعمال المزدوج.
ان عملية صنع القرار جهويا واقليميا محليا وتنفيذه جهويا واقليميا محليا كذلك هو تجاوز لعقلية فرض السياسات العمومية الترابية الفوقية، أو إبداء الرأي الاستشاري حول سياسات عمومية تتم بلورتها على المستوى المركزي وتنفيذها على المستوى الجهوي او الاقليمي او المحلي، أي فرض حلول من فوق دون معرفة الواقع المحلي. وبالتالي فدولة الحق وبالقانون تفرض ديمقراطية جهوية واقليمية ومحلية تمكن الأفراد والجماعات من تدبير شؤونهم المحلية وتسيير قضاياهم اليومية بشكل مستقل عن تدخلات السلطة المركزية.
فالتدبير المحلي والاستقلال المالي يفترض اعتمادات مالية مهمة للتسيير والقيام بتنفيذ مختلف الاختصاصات المنقولة من الدولة أي من المركز إلى المحلي يطلق عليه المالية المحلية أي آلية التمويل الأساسية لكل المرافق في مجالي التسيير والتجهيز، الشيء الذي يفترض أن تتم تنميتها، وعقلنة وترشيد اختياراتها من أجل الاستجابة للمطالب والمشاكل الاجتماعية المحلية.
لمقاربة هذا الموضوع المتعلق بالميزانية الجماعية ننطلق من السؤال المنهجي التالي وهو ماذا يقصد بالميزانية وما علاقتها بالسياسات العامة المحلية والقرار المحلي؟
الميزانية هي وثيقة مالية تمتد على مدى سنة كاملة بكل جماعة تتضمن تجسيدا تقديريا للمعلومات لمخطط عمل على المدى القصير الذي هو سنة أي الخطوط العريضة لتدخلات النخبة في المجال التنموي لرسم السياسات العامة المحلية من خلال تقييد وتضمين الميزانية البرامج الآنية حتى تصبح اداة للتدبير وتجسيدها على ارض الواقع. وفي كل سنة تتوصل مختلف الجماعات المحلية بالمملكة بمذكرة توجيهية حول كيفية وضع الميزانية من خلال تضمينها بعض المعايير والمؤشرات التوضيحية والتي هي في الحقيقة بمثابة توبيخ بسبب الخروقات والأخطاء التي ترتكبها بعض الجماعات في رصد الاعتمادات بشكل لا يراعي قدرة مالية الجماعة كمنع شراء السيارات مثلا وهذه المذكرة لا تخرج عادة عن توجيهات لمطابقة مالية الجماعات المحلية للميزانية العامة للدولة.
بعد تحديد ومعرفة المتاح من الموارد، نلجأ إلى رسم فكرة للسياسات والخيارات والبدائل. وهي عملية مفاضلة بين مجموعة من المتطلبات التنموية تتفاوت حسب أهميتها في الزمان والمكان. وهنا أيضا نلجأ لطرح عدة أسئلة منهجية في تحديد الإنفاق والتمويل وإعداد البرامج والخطط والاستراتيجيات، يمكن حصرها فيما يلي:
أولا: ماذا لدى الجماعة الترابية؟ أي الموارد المؤكدة والمحققة أو القابلة للتحقق من خلال ما راكمته الجماعة من استثمارات منجزة خلال السنوات الأخيرة. من خلال مدا خيل الجماعة المتعلقة بالرسوم المحلية وحصة الضريبة على القيمة المضافة.
ثانيا: ماذا تريد أن تفعل أو تقوم به من منجزات من خلال تضمين وثيقة المخطط بنك معلومات وجذاذات مشاريع تنموية بناء على مطالب الساكنة، والتي لا تتوقف، حيث يمكن إضافتها من خلال عملية التحديين للمخطط، وبالتالي تصبح الجماعات إطارا مؤسساتيا يسير حسب وثيقة قانونية تتضمن دراسة الوضعية الاقتصادية والاجتماعية للجماعة المعنية.
نشير أيضا في هذا الصدد إلى أن الوثيقة لا تشكل جوهرا مستقلا بذاتها، ولكن تجد نوعا من التوازن بين وثائق مخططات أخرى تدخل في علاقة تجاذبيه بها على المستوى الجهوي والإقليمي بحيث أن الجهة تبقى إطارا لتوجيه الأقاليم المنتمية لها بصورة أصغر، ونجد الأقاليم والعمالات كموجه ومؤطر للجماعات التابعة لها أيضا، بحيث دائما يبقى الرجوع إلى المستوى الجهوي لبرمجة مشاريع تهم مختلف الجهات، والمستوى الإقليمي لبرمجة مشاريع تهم مختلف الجماعات أو ما بين الجماعات التابعة لها.
ثالثا: ماذا تقدر الجماعات على عمله أو فعله لتلبية الطلبات والقضايا الاجتماعية وتنفيذ سياساتها العامة المحلية؟
فالطلبات الاجتماعية تأخذ عدة أشكال وتمظهرات لكن ذات طابع جماعي يستفيد منها الكل فرادي أو جماعات وتشمل جميع المرافق، من صرف صحي وقنوات مجاري المياه والإنارة العمومية والربط بالماء والكهرباء، ترصيف الأزقة والشوارع، علامات التشوير، حدائق عمومية، مستوصفات صحية، الخدمات البلدية من جمع أزبال ومعالجة الأماكن المضرة وغير الملائمة، محاربة الكلاب الضالة، بناء سدود تليه، توزيع مساعدات على الفقراء والمحتاجين، إصلاح شتى الآليات والتجهيزات الجماعية وتقديم الخدمات الإدارية بدءا بشهادة أو تسجيل الازدياد أو الولادات حتى تسجيل شهادة الوفاة وغيرها من المطالب والمشاكل والقضايا.
فالميزانية بهذا الشكل تعد وثيقة للبرمجة ووثيقة تقريرية تتضمن ترخيصا مسبقا بالالتزام بالنفقة وصرفها في حدود التقديرات المتاحة. وتجسد نوعا من الاستقلال المالي في تدبير الشأن المحلي وذلك من خلال تمكين الجماعات المحلية من تعبئة مواردها الذاتية من خلال الصلاحيات الممنوحة لها في مجال الجبايات المحلية تم اعتماد مبدأ اقتسام الضرائب بين الدولة والجماعات المحلية من خلال مدا خيل الضريبة على الدخل والضريبة على الشركات والضريبة على القيمة المضافة تم امكانية اللجوء الى الاقتراض عن طريق صندوق التجهيز الجماعي. وأيضا وسيلة اداء في يد النخبة المحلية لرسم السياسات العامة المحلية واتخاذ القرار المحلي لتلبية الطلبات الاجتماعية.
هذا، وتقوم الميزانية الجماعية على نظامين معياريين لتحقيق التوازن وتفادي التمويل بالعجز وهما:
الاول: وهو النظام المعياري؛ بحيث انه على الرغم من تمتعها بالشخصية المعنوية والاستقلال المالي، الجماعات المحلية لا تضبط لا نظامها المعياري ولا نظامها المالي؛ الذي يقوم على مبدأ شمولية الاعتمادات لملائمة الميزانية للمتطلبات الضرورية خلال نفس السنة الموالية. وكذا متطلبات التخطيط والبرمجة المتعددة السنوات و تقتضي فتح المجال لاستعمال التراخيص بالبرامج التي يمكن تمويلها من الفائض التقديري.
الثاني: وهو النظام المالي؛
ان محتويات المخطط الجماعي تجيب على أسئلة منهجية يمكن تلخيصها في ثلاثة محاور في شكل اسئلة منهجية اساسية وهي: ماذا لدى الجماعة من إمكانيات مادية ومالية وبشرية و اقتصادية واجتماعية وثقافية؟ ماذا تريد الجماعة فعله من خلال تحديد الحاجيات ذات الأولوية المحددة في إطار التشاور مع الساكنة ومختلف الإدارات والفاعلين المعنيين؟ ماذا تقدر على فعله لتلبية المطالب والقضايا من خلال تحديد الموارد والنفقات على المدى المتوسط أي السنوات الثلاث الأولى التي تم فيها العمل بالمخطط الجماعي للتنمية؟
منذ سنة 1976؛ تاريخ الخروج من أزمات سياسية شهدها المغرب بدءًا بسنوات: العهد الملكي سنة 1958 الذي دعا من خلاله الملك المغفور له محمد الخامس إلى تبني الفكر الحر والتعددية الى سنة 1960 واقرار الميثاق الوطني وسنة 1965 حيث اعلان حالة الاستثناء وتوقيف العمل بالمؤسسات بالمغرب، مرورا بسنتي 1971؛ 1972؛ ومختلف المؤامرات والصراع حول طبيعة نظام الحكم التي كان تدفع أطراف معينة في إطار اللعبة السياسية والعسكرية للأخذ بها.
هذا، ومنذ ذلك الحين، عرف المغرب عدة نماذج لتأمين الحياة الفردية والجماعية وتنظيم شؤون المواطنات والمواطنين؛ حيث خرج المغرب خلال تلك السنوات من تنضيد اجتماعي وسياسي متأزم ومتنافر بين الدولة ومختلف الفاعلين السياسيين فجاءت المناظرة الأولى للجماعات المحلية آنذاك تحمل شعار: التمازج بين مختلف الفاعلين والدولة. مما يعني المزج بين التوجهات الفكرية الاشتراكية الشيوعية والتوجهات الفكرية الرأسمالية والفردية؛ بين مختلف المكونات السياسية من منتخبين ونقابات وهيئات، من جهة والسلطة من جهة أخرى.
بعدها جاءت مناظرات وطنية تحت شعارات أخرى: التعايش والتكامل والتضامن والمركزية واللامركزية وعدم التركيز ؛الإداريين والحكامة؛ في أفق الجهوية الاقتصادية والمحلية والموسعة.
كما تخللت هذه الشعارات عدة مفاهيم يمكن حصرها في:
• برامج الانعاش الوطني الذي كان يعتبر بمثابة فكرة لتحويل البلد إلى اوراش تغلي بالمشاريع التنموية؛
• اتباع سياسة التقويم الهيكلي؛
• الحداثة في مواجهة التقليدانية؛
• التراضي السياسي أو التناوب في تدبير السياسة العامة للبلاد والعباد؛
• برنامج العالم القروي ومحاربة الجفاف؛
• برنامج التزويد الشامل بالماء والكهرباء وفك العزلة؛ PERG و PAGER؛
• العودة إلى سياسة التخطيط الخماسي على المدى القصير والمتوسط والطويل المدى؛
• برنامج المبادرة الوطنية للتنمية البشرية؛ INDH
• مخططات التنمية الجماعية PCD؛
• برامج التشارك Partenariat؛
• نظام التغطية الصحية الطبية RAMED
• الحكامة la gouvernance؛
• النموذج التنموي الذي دعا له جلالة الملك محمد السادس؛
• المناظرة الجهوية بمدينة أكادير وما تمخض عنها من توصيات؛
• الالتقائية؛ وهذا هو آخر تطلع او مفهوم متداول كموضة العصر الحالي بالمغرب والكل يتغنى به؛ وكأننا وصلنا الى مستوى الإشباع وتحقيق جميع المفاهيم التي كانت سائدة من قبل!؟
يبدو ان الاستنتاج واضح منذ البداية؛ حيث انها مجرد عدة أوجه لعملة واحدة؛ او اعادة انتاج نفس
هذه الالتقائية؛ بغض النظر عن المعنى الذي يعني التقاطع في مختلف التوجهات والأفكار؛ فهو يحيل إلى نوع من التسويات أو التراضي أو التنازلات من هذه الجهة أو تلك من اجل تفادي التناحر بين مختلف القوى السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي تعمل داخل الفضاء المغربي حتى لا نقول داخل النسق الاجتماعي والسياسي والاقتصادي والثقافي المغربي؛ بحكم التنافر والتباعد والحزازات والصراع بين مختلف القوى داخل المشهد السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي.
فالدول الرأسمالية لا تقبل بالتناحر إلى ما لا نهاية. بحيث ان الأغلبية الحاكمة لا تهمش مقترحات وافكار الأقلية أو المعارضة. فهل وصلنا إلى هذا النوع من التسويات في المغرب؟ هل وصلنا فعلا إلى مستوى انتخابات مهيأة ومتفق حولها في إطار التداول على السلطة؟ هل تجاوزنا فعلا الحزازات الضيقة والانتقامات والابتزاز السياسي والاقتصادي وردود الفعل بين مختلف الفاعلين في الفضاء السياسي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي المغربي؟ هل وصلنا الى مرحلة تجاوز الخلافات حول الهوية وازمة القيم ومختلف التصورات التي يغترف منها كل فاعل سياسي؟
إذا ما تفحصنا ومن خلال قراءة متقاطعة في رؤي مختلف الأحزاب السياسية والنقابات والهيئات ومختلف الفاعلين في المشهد السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي المغربي؛ من خلال مذكرة مقترحاتهم حول النموذج التنموي موضوع التفكير حاليا؛ سوف يلاحظ مستوى التباعد على مستوى القيم والحريات الفردية والجماعية مع باقي التوجهات السياسية حسب مبادئها أو مواقفها كمجرد رد فعل أو موقف؛ بين ما هو ديني إسلامي او شيوعي ماركسي او اشتراكي او حداثي وتقليداني.




