“إرهاب الجريمة” رجع يزرع الرعب فنفوس ساكنة سيدي البرنوصي … النصيب الأكبر كان لحي القدس والازهر والسلام 1 و2 وطوما وحي مولاي رشيد من الكريساج والسيبة(فيديو)
تحقيق خاص بموقع موطني نيوز
“إرهاب الجريمةّ” رجع ينغص على ساكنة سيدي البرنوصي حياتهم ويفقدهم ذلك الشعور الأمان والاطمئنان. وهذا الرجوع وثق الصوت والصورة من خلال فيديوهات يجري تداولها بكثرة هذه الأيام في مواقع التواصل الاجتماعي، والتي يظهر فيها مواطنون يتعرضون الضرب والجرح والسرقة تحت التهديد بالسلاح الأبيض.
سيدي البرنوصي، أو كما بات يحلو للبعض تسميته بـ “كولومبيا”، كان له النصيب الأوفر من هذه الفيديوهات، إذ أرعب المواطنين فيديوهين يوثقان لعملية هجوم نزلاء الخيرية على سكان عمارة بحي القدس والسرقة تحت التهيد بالسلاح الأبيض تعرضت له عائلة وساكنة عمارة على يد نزلاء الخيرية، وآخر لحالة سيبة عاشتها أحد شوارع المنطقة.
ويأتي تداول هذه الفيديوهات في وقت ارتفعت بشكل ملحوظ معدلات جرائم القتل البشعة، والتي كان بعضها مقرونا بالسرقة. التحقيق التالي رصد لكل هذه الظواهر.
قاسم مشترك واحد يجمع مداخل البرنوصي من كل الاتجاهات : التداخل. من عين السبع تبدو الحدود بين المنطقتين غير واضحة ولا يمكن أن تحدد في أي منها تقف بالضبط إذا لم يكن بجانبك دليل من ناس المكان. من مدخل الطريق السيار لا تعرف مثلا أين يبدأ كاريان البيه وأين ينتهي. حي صفيحي عريق يوجد في منطقة تماس لا شكل لها، ولا تعرف أو تحس إلا بالنشاط المتنامي لقاطنيه داخل الأحياء القريبة في سيدي البرنوصي. الأمر ذاته يتكرر من مدخل طريق الرباط، حيث لا توجد فوارق عمرانية أو من أي نوع آخر، لتحيلك على انتقالك من مكان إلى مكان. وعلى غرار باقي مناطق العاصمة الاقتصادية، لا شكل عمراني موحد يميز البرنوصي كمنطقة سكنية قائمة بذاتها، ربما الأكبر سكانيا في الدارالبيضاء. التحولات السريعة بين الأشكال العمرانية، المهيكلة وغير المهيكلة، الصفيحية و المبناة، القديمة والجديدة، تضرب عين الزائر الغريب عن المكان كأول ملاحظة بعد تجوال قصير في داخله.
في مدخل البرنوصي ينتصب أمامك «درب لمعاكيز» بتاريخه الذي لا ينفصل عن مشاكله المتراكمة. وراء أصل التسمية حكاية غريبة لا تخلو من سخرية. المعاكيز أو الكسالي بالعربي الفصيح، التصقت بالمكان بعد حكم اجتماعي على شباب المنطقة قاد إلى وصفهم بالعاجزين، بالنظر إلى طول وقوفهم مسنودين إلى حيطان بيوت الحي في رؤوس الأزقة ونواصي الشوارع. لزمن طويل ارتبطت أخبار الحي بتفشي الجريمة وأصناف الإدمان. «اليوم لم يتغير الأمر كثيرا ولم تتحسن الأوضاع في ظل غياب أمني متزايد وتراجع عمليات التطهير المتتوالية خلال السنوات الأخيرة، نتيجة الحركة الإنتقالية لرجال الأمن التي أثرت سلبا على استثباب الأمن في المنطقة حيث تم تعويضهم بأمنيين لا يعرفون أي شيء عن المنطقة التي تم تعيينهم فيها ولا خريطة الأماكن الإجرامية..
https://youtu.be/qwz2D8eIWUk
الوجه الآخر للهشاشة
أسباب الحياة للقادمين أساسا من الأحياء والدواوير الصفيحية المجاورة والمنحدرين من الهجرة القروية، توجد في أسواق القرب التي فرضت بالقوة في سيدي البرنوصي. مدخل البرنوصي الرئيسي في المنطقة المعروفة محليا ب«السينما» نسبة إلى سينما السلام، يعج بالمتحركين في كل الاتجاهات، من القادمين والمغادرين. من أمام دار السينما التي تحولت إلى مركب تجاري، كشفت عينة من السكان عن توجسها بخصوص ارتفاع حدة الجريمة في المنطقة، مشيرة بأصبع الاتهام إلى الرقعة المحاذية للمكان المخصص للطاكسيات أو سيارات الأجرة الكبيرة. «حنا اللي تنشوفو شنو واقع هنا !!» تؤكد سيدة في عقدها السادس للجريدة، قبل أن تسترسل في الإفادة. « بيع المخدرات والخمور وسط الدروبة والأحياء ظاهرة مازالت قائمة ولم يتم معاقبة المتسببين فيها».
عبد الله كشف لنا وجها آخر من أسباب الفوضى والعنف في أسواق القرب النموذجية، الذي قال أنه «يتذكر كيف بدأ صغيرا جدا وتحول إلى غول يشوش طيلة ساعات النهار على هدوء وراحة السكان». الأمر يتعلق بمفهوم «السوق النموذجي» التي شرحها للجريدة على الشكل التالي : «تقوم فئة من رواد السوق وأصحاب الأمكنة الخاصة فيه، سواء من مساحات صغيرة تستعمل للبيع، بكراء هذه الفضاءات للقادمين من البوادي أو حديثي الانتقال إلى سيدي البرنوصي والمناطق والكاريانات المجاورة، مقابل أجر يومي يتم الاتفاق عليه بشكل مسبق بين الكاري والمكتري. في بعض الحالات يساعد الكاري المكتري على إيجاد غرفة للسكن من أجل استمرار هذا الشكل من التعاون بينهما». مفهوم استغلال «السوق النموذجي» بهذا الشكل يؤدي إلى احتدام صراعات مصالح بين المتورطين فيه، وهذا ما أدى إلى نشوب شجارات و «حروب صغيرة» في السوق بين الفينة والأخرى، تستعمل فيها الأسلحة البيضاء، «كان شكلها الأكثر دموية ما شهده أحد أيام شهر رمضان خلال هذه السنة، حيث سجلت العديد من الإصابات بين رواد الأسواق النموذية من المتنازعين» يختم عبد الله.

بين الأرض والسماء
على بعد أمتار من الشريط السيار الرابط بين الدارالبيضاء والرباط ، يرابض حي القدس بتنويعاته العمرانية المختلفة، في شكل جميل. الهدوء سمة المكان الرئيسة والشوارع نظيفة في الغالب. المرافق الاجتماعية معتنى بها بجلاء، والواجهات التجارية تعكس نوعية الخدمات المتميزة المقدمة لنوعية السكان المتميزة التي تعيش هنا. في المحصلة، يمكن أن تنتابك بعض الشكوك في انتماء حس القدس لمنطقة البرنوصي بعد أن تكون قد قمت بجولة في أحيائه القديمة والهشة. هنا لا علاقة للشكل العام بباقي المنطقة، وحتى نوعية القاطنين المتوزعة بين موظفين وتجاور وفئات طبقة وسطى، لا تشبه كثيرا «العامة» في المناطق الفقيرة والقديمة.
غير أن حي القدس محاط بتجمعات سكانية مناقضة تماما لشكله ومضمونه و « هذا على الأرجح سبب استهدافه من قبل مجرمين قادمين من الحزام العمراني المتاخم له» يؤكد حسن أحد سكان حي القدس، والفاعل الجمعوي هناك. « في الأصل، كانت هذه الأحياء ترجمة لمشاريع وطنية حسنة النية كان الغرض منها إعادة إيواء سكان المناطق الهشة والصفيحية المتاخمة للبرنوصي أو حتى الفئات القادمة من الحي المحمدي أو عين السبع. وقد تم ترحيلهم إلى هنا في وقت سابق، لتؤدي الهشاشة التي أتت معهم، والمرتبطة أساس بتدني القدرات الاقتصادية لهم، وتكرار دائرة الفقر عبر الولادات المتكررة في غياب آفاق للتطور المادي والاجتماعي، إلى تكريس أسباب الجريمة لاحقا» يضيف حسن بنبرة لا تخلو من أسى. من هذه الأحياء، عاينت الجريدة منطقة الخيرية أو ما يعرف ب«ديور الذبان» ! الحي يعد واحدا من البؤر الصعبة في منطقة البرنوصي لاعتبارات شتى. فتواجد دار الخيرية على بعد أمتار من الحي، يشجع نزلائها السابقين ممن احترفوا الجريمة أو اللصوصية أو تعودا على الحياة في الشارع، على العودة إلى المكان مجددا إما للاختباء أو لممارسة نشاطهم الإجرامي في وسط يعرفونه جيدا. هذا في وقت عبر فيه سكان «ديور الذبان» عن اعتقادهم بأن الجريمة في البرنوصي عموما ومنطقتهم بالتحديد ذات روافد خارجية، إذ أن القادمين من حي مولاي رشيد مثلا أو سيدي مومن بالإضافة إلى مشروع السلام 1 و2 والمناطق المجاورة قد تكون المسؤولة عن القيام بالأنشطة الإجرامية المختلفة هناك، من السرقة إلى ترويج المخدرات.
ولعل التناقض الأبرز في الشكل العمراني في هذه المنطقة، يكمن في الفوارق الكبيرة بين حي القدس وتجمعاته السكنية الحديثة وكاريان «بولحية» على بعد عشرات الأمتار منه. حي قصديري يحمل كل معطيات الهشاشة ويعد نقطة سوداء حقيقية على طريق عين حرودة. أول أشكال هذه الهشاشة عاينتها الجريدة عند مدخل الكاريان، حيث خرج طفل صغير لا يتعدى الثامنة من أحد الأزقة المتاخمة للباب الخارجي، وانكب على البحث في حاويات الأزبال المكومة ! أحد المنتمين إلى الكاريان، وفي إطار استعراضه لباقي مشاهد البؤس هناك، أشار إلى منطقة تركن فيها الشاحنات الكبيرة قائلا «هنا تنشط الدعارة ليلا . فما إن تغيب الشمس حتى يتحول المكان وراء الشاحنات الرابضة إلى سوق كبيرة للمتعة».

الأزهر: حالة مستفحلة
‘‘ عندما تم التفكير في بناء مشروع التجمع السكني الأزهر قبل عقد ونصف من الزمن كان الهدف من ذلك هو خلق منطقة جديرة بالحياة في مستوى آمن. غير أن التغيرات اللاحقة التي عرفتها المنطقة، جعلت معظمنا يشعر بالندم على اختيار هذا الموقع للعيش وتربية الأبناء ‘‘ هذا واحد من عشرات التصاريح التي استقتها الجريدة في محيط الأزهر، على لسان المتضررين من وضع متأزم صار يعيشه حي الأزهر بحكم توسع رقعة الاجرام الذي فرض بالقوة هناك. ‘‘ أصبحنا نجد صعوبة بالغة عند الخروج من بيوتنا، أما عملية الدخول فإنها تجعلنا نفكر مرتين لإيجاد وسيلة تجنبنا متاعب هذا المكان الجغرافي. أحيانا يصبح الجلوس مع أبنائنا في البيت مسألة في غاية الحساسية عندما تصلنا الكلمات النابية من المجرمين على امتداد اليوم. نضطر إلى غلق النوافذ لتقادي هذا الوضع في الغالب ‘‘.
من النادمين على الانتقال للعيش في حي الأزهر عبد الحق، موظف ورب أسرة. معاناة عبد الحق ازدادت بعد أن لاحظ أن ابنه البكر ذو السبعة عشر عاما أصبح يتعاطى أنواعا من المخدرات يتحصل عليها من عناصر داخل ملاعب القرب القريبة التي أصبحت مرتعا للمجرمين. ‘‘ في السابق كنا قادرين على التحكم في تربية أبنائنا لأننا كنا نعيش وحدنا هنا وكان الحي موحدا من طرف ساكنته التي تتقاسم نفس المبادى ‘‘ يشرح عبد الحق للجريدة في امتعاض كبير قبل أن يردف ‘‘ اليوم اصبح الوضع في غاية الصعوبة مع اختلاط أبنائنا بالقادمين من الأحياء والدواوير المجاورة. حتى التواصل مع الأبناء أصبح أمرا في غاية الصعوبة. ‘‘
في محاولة منهم لاسترداد أمن منطقتهم والهدوء الذين كانوا ينعمون به، يفكر سكان حي الأزهر هذه الأيام في تنظيم وقفات الاحتجاجية وكتابة عرائض إلي السيد المدير العام للأمن الوطني لإثارة الانتباه لملاعب القرب والأسواق النموذجية التي فرضت بالقوة على بعد أمتار قليلة من مداخل تجمعاتهم السكنية، ولتذكير السلطات المحلية بأن عليها حماية أمنهم وضمان خصوصية منطقتهم أمام هذا الغزو المكثف والمتواصل. غير أن مساعيهم لاستعادة الفضاء المحيط بهم ‘‘ قد تتأخر إلى وقت لاحق ‘‘ يقول عبد الحق ‘‘ بسبب إمعان الباعة المتجولون في فرض سيطرتهم على المكان وسط صمت غير مفهوم من السلطات المحلية ‘‘.
« اليوم لم تتغير الأمور» تردد السعدية بعلامات أمان واثقة في عينيها«. لقد اكتشفنا أن اللصوص وقطاع الطرق يهاجمون الجميع العاملات والأشخاص العاديين ». على إثر هذه الملاحظة قررت السعدية وزميلاتها عدم الخروج فرادى بعد تكرار حوادث الاعتداء على المواطنين في الشارع العام، أمام مرأى ومسمع رجال الأمن أحيانا، وهو ما زاد من نسبة الجريمة في الدوائر الأمنية في سيدي البرنوصي.




