الدولة والمجال الاقتصادي..
بقلم: الدكتور عبدالله شنفار
من حق المغرب حماية اقتصاده ومنتوجاته من خلال: فرض شروط حماية جمركية او حتى اغلاق تغور التهريب.. وأين يكمن المشكل؟ هل يمكن الحديث عن استقلالية المجال الاقتصادي عن أي تدخل من الدولة؟ ما هي حدود هذا التدخل؟ وما هي مجالاته؟ وكيف يتم وما هي وسائله وصوره وإجراءاته؟
تطور الدول الأكثر تقدما في مختلف المجالات، أصبح يتطلب منها ويفرض عليها، فقط، البحث عن التوازنات التنموية على مستوى مختلف القطاعات. بحيث وصلت إلى درجة التضخم في كل شيء؛ في الإنتاج، في التكنولوجيا، في الخدمات، وأيضا حتى في أزمة الوعي السياسي والاجتماعي والثقافي … إلى غير ذلك، أي ان هذه الدول أصبحت تحتضن مجتمعات متعايشة سياسيا واجتماعيًا، مقابل مجتمعات أخرى تنافسية اقتصاديا.
فالموقعون والمحاورون أثناء توقيع اتفاقية “الكاث” بمراكش كانوا مجموعة من الشباب التكنوقراط، يتعاملون فقط بلغة الأرقام؛ همهم الوحيد هو دراسة الأسواق، والعرض والطلب والمضاربات والمنافسة والربح السريع. فهم لا يفهمون شيء اسمه الحماية والعدالة الاجتماعية. الأمر الذي أدى بالعديد من الباحثين إلى مقاربة المنافسة والاحتكار الاقتصادي بانعدام الأخلاق.
وهنا نسوق أمثلة لدول تتخذ سياسات اجرائية لحماية منتجاتها واقتصاداتها من المنافسة الخارجية:
فرنسا مثلا لم تستطع أن ترضخ لثورة الفلاحين وغضبهم؛ والذين استعملوا كل صور الضغط على الحكومة، وجابوا وحاصروا الشوارع بالمتاريس وبالجرارات، ولا حتى الاستجابة لاحتجاجات اصحاب السترة الصفراء كل يوم سبت؛ إلا باتباع سياسة الدعم. لكن مع ذلك لم تستطع التراجع فيما يخص رفع الحواجز الجمركية عن منتوجاتها الفلاحية. وعلى الرغم من كونها مهيأة من خلال بناها الاقتصادية والاجتماعية والثقافية لاستيعاب قوانين السوق.
وبالتالي فاللحاق بها من طرف الدول الأكثر تخلفا يبقى مجرد شعار أو لغة ديبلوماسية ستبحث على مزيد من الاستقطاب لهذه الأخيرة، ويتبين ذلك من خلال سياساتها المتبعة في المجال الاقتصادي.
الولايات المتحدة الأمريكية تلجأ إلى البند 301 من اتفاقية التجارة الخارجية بين الدول والذي يخول لوزير التجارة ردع كل ما من شأنه المس بالمصالح الاقتصادية لأميركا؛ وعلى سبيل المثال حماية شركة “آبل” من خلال منع عملاق التكنولوجيا “هواوي” من دخول اسواقها ومن الاستفادة من التحديث من خلال استعمال شبكات الاتصالات الأمريكية.
اليابان تعطي النموذج المثالي والفعلي في حماية أسواقها، وذلك من خلال فرض مساطر وإجراءات إدارية جد معقدة؛ كاشتراط نسبة معينة في الجانب التقني والصحي وحماية في السلع والمنتوجات، وهذه الإجراءات والمساطر تتغير بسرعة فائقة يصعب حتى ضبطها من طرف المتعاملين مع السوق اليابانية؛ وكذا اشتراط بيع هذه السلع الأجنبية في محلات تجارية يابانية خاصة وفي ملك مواطن ياباني، مما يؤدي إلى ارتفاع نسبة التكلفة، وبالتالي انسحاب المستثمر بمحض إرادته من السوق اليابانية.
أيضا من الأسواق المغلقة في وجه السلع الأجنبية، بالرغم من حرية التجارة العالمية، أسواق دول أوربا الموحدة؛ فعلى الرغم من مصادقتها على قوانين المنظمة العالمية للتجارة، إلا أنها مع ذلك تلجأ إلى طرق حمائية لحماية اقتصاداتها وسلعها؛ من خلال السياسات الموحدة لحماية منتوجاتها من المنافسة، ومن خلال سياسة الدعم والمناورات الاقتصادية… إلى غير ذلك من الإجراءات الحمائية.
وبالتالي فالرأسمالية العالمية لم، ولا، ولن تسمح باللحاق بهذه المراكز المتقدمة من لدن دول العالم الأكثر تخلفا التي لم تدخل بعد مرحلة الانتاج التنافسي. وبالتالي إنتاجياتها وصناعاتها وخدماتها غير قادرة على المنافسة على المستوى العالمي.
فالعلاقات في إطار الاعتماد المتبادل تبقى طوباوية وغير ممكنة، لأن روح الرأسمالية وقوانين السوق تقو على فكر الاحتكار ويحكمها الاستقطاب، وبالتالي فمشروع العولمة وانفتاح الأسواق سيؤدي إلى مزيد من تفاقم الأزمة الاقتصادية ومزيد من التهميش للوضعية الاجتماعية بهذه الدول المتخلفة.
وبالتالي فان إجراءات الحماية الجمركية التي انتهجها المغرب ومن خلال إعادة النظر في بنود اتفاقية التبادل التجاري الحر مع تركيا وسد تغور تهريب السلع والمنتجات ومحاربة تهريب العملة وغيرها من صور غسل الأموال؛ هو قرار سيادي يهدف بالأساس الى حماية بناه الاقتصادية والإنتاجية في أفق الاعتماد على الذات من خلال النموذج التنموي الذي دعا له جلالة الملك؛ موضوع النقاش الحالي المفتوح في وجه كل الفعاليات المساهمة فيه بحرية وجدية من اجل بلورته.
هذا، ويمكن رسم صورة لهذه الحالة التي تعيشها الدولة في المغرب، من خلال التردد بين ثلاثة سيناريوهات:
1. إما قبول المجازفة،
2. أو نهج سياسة التقويم،
3. أو جعل القطيعة.
إنها مشكلة الخروج من عنق الزجاجة، بحيث كيف نلبي الالتزام بالاتفاق الدولي ونوفق بين متطلبات الجانب الاجتماعي؟
إن مقاربة الحماية من خلال الإجراءات والسياسات التي تنتهجها للدخول في رهان السوق يمكن النظر إليه من خلال النقط التالية:
العمل على تشجيع الاستثمارات الداخلية والخارجية، من خلال الدعوة إلى تبسيط المساطر والإجراءات الإدارية، والتي وإن كانت مهمة إلا أنها تؤدي إلى نزوع المستثمرين وتثبيط هممهم؛
الظهير الشريف رقم 1.00.225 الصادر في 2 ربيع الأول 1421 (5 يونيو 2000) بتنفيذ القانون رقم 06.99 المتعلق بحرية الأسعار والمنافسة.
صدور مدونة الاستثمارات، وإحداث المحاكم التجارية؛ والتي جاءت بدل مشروع محاكم الأعمال؛ بحيث ان المشروع قدم في البداية على أساس إحداث محاكم الأعمال، ولكن ربما نظرا لحداثة التجربة، جاء المشروع بالمحاكم التجارية الذي يختلف بطبيعة الحال في فلسفته عن توجهات محاكم الأعمال.
كما تم خلق منطقة للتبادل الحر بطنجة المتوسط، وكذا التأثير على السياسة الضريبية كإلغاء الازدواج الضريبي والاتفاق بين الأطراف حول ضمان الاستثمار.
وبالموازاة مع ذلك قبل المغرب خضوعه للمادة 8 من مدونة صندوق النقد الدولي حول تعويم وتحويل الدرهم والمعاملات الجارية في التسديد.
الاستمرار في نهج سياسة الخوصصة وفتح المجال أمام المبادرة الحرة. بالإضافة إلى تشجيع سياسة اللامركزية وعدم التركيز والجهوية المتقدمة، وذلك بإبعاد القرار المركزي شيئا فشيئا. لكن نتساءل هنا هل هناك ما يخسره هذا المحلي والإقليمي والجهوي من جراء هذا الإبعاد، أم لابد من استراتيجية هذا القرار المركزي؟ هل وصلنا فعلا إلى مرحلة عدم تدخل الدولة؟ الدولة الأقل تدخلا أو أكثر تدخلًا
(moins d’Etat, plus d’Etat, plutôt que trop d’Etat).
فشرعية ومشروعية الدولة في تنمية المجتمع والأفراد وخدمة الصالح العام تبقى محل نقاش وتساؤل.
فاللامركزية تحيل إلى الاقتصاد الغير المتمركز، يعني القائم على قوانين وقواعد السوق؛ بحيث يطرح التساؤل حول الاختيارات وعلاقة اللامركزية والجهوية ونوع التنمية الاقتصادية المراد الوصول إليها؟ إذ كيف تستطيع أن تراهن على نماذج تنموية تمكنها امتياز الدخول إلى السوق العالمية؟ ما هو المعيار المعتمد أو الذي يجب اعتماده في توزيع الاختصاص؟ وعلى أي مبدأ أو أساس سيحدد الدور الجديد الذي ستلعبه الدولة؟، وصية؟، مراقبة؟، منسقة؟، استراتيجية؟، كيف يتم الحسم في التقطيعات الجهوية والإدارية، هل على أساس تجانس البنيات الاقتصادية والاجتماعية، أم على أسس ديمغرافية، عرقية،…؟ والذي يتنافى والبعد الاستراتيجي والاقتصادي.
فالمحلي أو الجهوي ينتظر دائما من الدولة أن تقدم له الوصفات الجاهزة حول برامج ومخططات التنمية الاقتصادية والاجتماعية، ولكن إدارة اليومي الجهوي والإقليمي والمحلي؛ يعني المشاركة، يعني أيضا منشط اقتصادي قادر على توجيه الاستثمارات ووضع الخطط التي تتلاءم وواقعه الاجتماعي والاقتصادي، وبالتالي “فالذي يتوصل بالرسالة هو من يقع عليه تحديد صندوق البريد”.
إنه زمن التجمعات الاقتصادية، وإصلاح التجارة الخارجية والأنظمة المالية والنقدية لتحقيق الادخار الممكن، وترشيد النفقات العمومية وحرية الأثمان وطرق باب المنافسة، والمزيد من الإصلاح والتقويم الهيكلي.
لكن أيهم في حاجة إلى إصلاح وتغيير وتقويم؟ العقليات الإدارية، من خلال سياساتها واختياراتها وبدائلها، أم التقويم الاقتصادي؟ فإذا كان “مشيل جوبير” قد طرح السؤال: كيف يمكن أن نكون في نفس الوقت ليبراليين باقتصاد موجه سياسيا؟ فقد أجاب “فرنسوا سودان” بأن الخيارات السياسية والاقتصادية، والعقليات الإدارية المشرفة والمؤطرة هي التي في حاجة إلى تقويم وتصحيح هيكلي.
إجمالا فالعالم يعيش مرحلة انتقالية حول فصل مجال السياسة عن مجال الاقتصاد، إلا أن ذلك ينطبق على الدول الأكثر تقدما، أما الدول الأكثر تخلفا ومن ضمنها المغرب، فالاستقلالية ممكنة، لكن مع وقف التنفيذ وإلى اشعار آخر، بحيث لازلنا نحتاج إلى مزيد من تطوير وتأمين حياة الفرد والمجتمع وبحاجة إلى مزيد من الحماية الاقتصادية والاجتماعية من طرف الدولة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مقتطف من أطروحتين للدكتور عبدالله شنفار، تحت عنوان:
1. عقلية الإدارة المغربية ومتطلبات التنمية، دراسة سوسيوقانونية وتحليلية. نوقشت برحاب كلية الحقوق جامعة القاضي عياض بمراكش، السنة الجامعية: 1998-1999.
2. الفاعلون المحليون والسياسات العمومية المحلية، دراسة في القرار المحلي. جماعة ايت ولال التابعة لإقليم زاكورة نموذجا. الموسم الجامعي: 2013-2014.



