رفيسة فاطمة الصحراوية تنتصر.. ومهرجان بنسليمان يحتفي بامرأة صنعت الفوز من الكفاح

بقلم : بشرى مبكير

هناك نساء لا تصنعهن الأضواء، بل تصنعهن الأيام الطويلة المجبولة بالصبر، وتشكلهن تفاصيل الحياة البسيطة التي لا يلتفت إليها أحد، نساء يشبهن الأرض، يمنحن الكثير ولا ينتظرن المقابل، ومن بين هؤلاء، تبرز فاطمة الصحراوية، ابنة الزيايدة بإقليم بنسليمان، التي خطفت القلوب قبل أن تحصد الجائزة.

في مساء من أمسيات مهرجان بنسليمان 2026، كانت الأنظار تتجه نحو أطباق “الرفيسة الزيادية” المتنافسة، بينما كانت حكايات أخرى تُطبخ في الخفاء، حكايات نساء حملن معهن ذاكرة الأمهات ورائحة المواقد القديمة وأسرار المطبخ المغربي الأصيل، وبين تسع متسابقات تنافسن بشغف، كانت فاطمة الصحراوية تقدم أكثر من طبق… كانت تقدم قصة عمر كاملة.

قصة امرأة آمنت بأن النجاح لا يولد في المكاتب المكيفة ولا في الطرق المعبدة، بل ينبت أحياناً في القرى الهادئة، بين الحقول، وفي البيوت التي تعلم أهلها كيف يحولون التعب إلى أمل.

حين أعلن الشاف “سيمو” الطباخ العالمي المشرف على تحكيم هذه المسابقة، فوز فاطمة بالمرتبة الأولى، بدا المشهد أكبر من مجرد تتويج في مسابقة طبخ، كان اعترافاً مستحقاً بمسار امرأة اختارت أن تكون شريكة في التنمية وصانعة للأمل، امرأة لم تكتف بحفظ تراث منطقتها، بل عملت إلى جانب زوجها على تأسيس تعاونية “أصدقاء زكرياء” السياحية بعين لقصب، واضعة نصب عينيها هدفاً أسمى يتمثل في التعريف بالمؤهلات الطبيعية والثقافية لمنطقة الزيايدة، وفتح آفاق جديدة أمام الساكنة المحلية والوطنية، خاصة النساء اللواتي يبحثن عن موطئ قدم في عالم التنمية والاقتصاد التضامني، ولتجعل من حبها للأرض مشروعاً يخدم الناس ويمنح منطقتها نافذة على المستقبل.

لم يكن سر فوزها في مكونات الرفيسة وحدها، بل في ذلك المزيج النادر من الإصرار والمحبة والانتماء، كانت تضع في طبقها شيئاً من روح الصحراء المغربية ومنطقة الزيايدة، وشيئاً من ذاكرة الأمهات والجدات اللواتي حفظن أسرار الرفيسة الزيادية عبر الأجيال، وشيئاً من أحلام النساء اللواتي يواصلن الكفاح بصمت، بعيداً عن عدسات الكاميرات وعناوين الأخبار.

فاطمة الصحراوية ليست مجرد فائزة في مسابقة طبخ، بل هي صورة للمرأة المغربية التي تتقن فن الانتصار على الصعاب، امرأة تعرف كيف تحول البساطة إلى إبداع، والعمل اليومي إلى رسالة، والحلم الصغير إلى إنجاز يرفع الرأس.

في لحظة رفعها للجائزة، لم تكن تحتفي بنفسها فقط، بل كانت تحمل معها أحلام نساء كثيرات، وتقول بصوت لا يُسمع إلا بالقلب : إن المرأة التي تحفظ تراث وطنها، وتزرع الأمل في محيطها، قادرة دائماً على أن تصنع المجد بطريقتها الخاصة.

هكذا انتصرت فاطمة… وهكذا انتصرت الزيايدة معها.