تأثير السياسات العمومية الترابية من خلال القرار الجهوي والمحلي على البنيات التقليدية وقواعد التحالف في الفضاء السياسي المغرب..

الدكتور عبدالله شنفار

بقلم: الدكتور عبدالله شنفار

كثيرا ما كان الاهتمام بالتخلف الاقتصادي يهم مجالات: الصناعة والفلاحة والتجارة والخدمات والبنيات التحتية من طرق وسدود وهياكل إدارية… إلى غير ذلك، إلا أنه لم يتم الاهتمام بهذا الإنسان المتخلف أي الفرد داخل هذه المجتمعات، والذي لم يؤخذ بعين الاعتبار في مجموع البرامج والخطط التنموية، حتى حدود عقد التسعينات؛ وذلك نظرا للعلاقة الجدلية بين المجتمع المتخلف والإنسان بداخله. مما أوقع الحكومات المتعاقبة التي حاولت عبثا إقرار عمليات التغيير الاجتماعي في إهدار الجهود وضياع الوقت. وكان من نتائجه ان أدى إلى إفراز بطء في التحولات الاجتماعية والثقافية التي تميزت بالجمود على مستوى المميزات العامة للساكنة، واستمرار أنماط قديمة إلى جانب الأنماط الحديثة.
مما أفضى الى نوع من التعايش بين بنيتين متناقضتين تقاوم إحداهما الأخرى أو الدخول في ثنائية جدلية معها في مجالات السياسة والاقتصاد والثقافة والاجتماع؛ كأنماط متداخلة ومتعايشة. هذه المقاومة شملت حتى نوع السكن الذي بقي تقليديا يعتمد الأساليب التقليدية في البناء والهندسة في محاولة يائسة لإقرار الاستقرار والانتقال من حياة الترحال الى حياة الاستقرار.
تتميز البنيات الاجتماعية والعائلية في المجتمع التقليدي بالفقر التكنولوجي؛ حيث تسود ثقافة الضرورة، وثقافة الندرة دون أن يكون هناك تضامن مؤسساتي، بحيث يبقى مجرد معيار وتكثيف في العلاقات الاجتماعية، إذ أحيانا نجد التضامن والتماسك والكرم يأتي كرد فعل ضد “ثقافة الوفرة أو الحداثة”.
فالتحول الاجتماعي وحضور القيم التقليدية وتواجد الدولة والتطور السريع الذي يعرفه العالم تبقى شيئا نسبيا، فإما أن يكون لها حضورا أو غيابا في المخيال الاجتماعي للفرد والجماعات. لكن حينما يتعلق الأمر بالجهل والأمية والفقر والتهميش والمراهنة على مجتمع تقليدي في نمط عيشه وسلوكه، فهنا مشروعية الدولة في تطوير و تنمية المجتمع تبقى موضع تساؤل؟
فيما يخص الفقر: “لعل أخطر اتهام يمكن أن يوجه هنا ضد المغرب الكبير هو أنه كان دائما بلدا غنيا وسكانه فقراء، فلا يمكن أن يكون الفقر فيه حينئذ إلا عرضيا لا هيكليا، وبالتالي، يجب اعتباره ناتجا على الأخص عن سوء التدبير وسخف المؤسسات العامة والغلو الإقطاعي في الاستغلال، لا عن انعدام حقيقي لمادة الرفاه في البلاد وقحالة جوهرية في مصادر الإنتاج المادي وعناصر التنمية” على حد تعبير الأستاذ عبد الله إبراهيم في كتابه صمود وسط الاعصار.
وهكذا عوض العمل على تنمية المجتمع اتخذ السلوك مسلكا آخر سلبيا في ضبط المجتمع وتطويعه، بإثارة النزعات والنعرات بين القبائل أحيانا لإضعافها وصرف أفرادها عن الاشتغال بأمور تهم الحياة والشأن العام. فكان أن أدى ثمن هذه الأخطاء الكبرى الضعفاء والدراويش من أبناء المجتمع.
وبالتالي لا يمكن تصور ديمقراطية تقوم على انتخابات نزيهة تفرز نخبة قادرة على صنع القرار جهويا واقليميا ومحليا في ظل مجتمع لازال يسوده الفقر والجهل والأمية ويقوم على بنيات عائلية وقبلية تقليدية أصبحت متجاوزة في ظل التطور الحاصل في العالم.
أما بخصوص الأمية والجهل: فقد حاولت الدولة التركيز على الحواضر أولا، ولسنا ندري هل كان ذلك بناء على خطة وبرامج أم مجرد ضغط التاريخ على العقليات، حيث امتداد الفكر الاستعماري وسيطرته على المسؤولين من خلال تبني بقصد أوعن غير قصد فكرة مغرب نافع ومغرب غير نافع. بحيث تم تهميش البادية والعالم القروي خاصة منه الغير متوفر على الاراضي الخصبة والمياه الوافرة او تواجد خيرات مثل المعادن، في الوقت الذي يبقى فيه المغرب كله نافعا لأبنائه بوجود علاقة جدلية في معادلة القرية المدينة من خلال الاعتماد المتبادل.
وقد جاءت محاولات إصلاحية محتشمة، في شكل “برنامج محو الأمية” إلا أنه برنامج فتح المجال للتهريج والسخرية أكثر مما كان برنامجا طموحا. فكل خطة تنموية أو مشروع تغيير لابد لكي يكتب له النجاح أن يدرس ديناميكية هذا الإنسان المراد تغييره، وخصائصه انطلاقا من وضعيته وسلوكه وتوجهاته وقيمه ومواقفه في محاولة السيطرة على عنف اليومي بما في ذلك عنف واعتباط الطبيعة والمجتمع والإدارة التي يدخل في علاقة بها منذ الولادة، حيث يحتاج إلى شهادة التصريح بالولادة أو عقد الازدياد، فشهادة العزوبة، فالخطوبة حتى شهادة الوفاة، والأخذ بعين الاعتبار في كل استراتيجية تنموية المعطيات السوسيولوجية لهذا الكائن الذي يتميز بعدة خصوصيات مختلفة عن غيره
فسيادة قيم وأشكال تنظيم تقليدية يتطلب تغيير أجيال حسب وثيرة معينة. فهل عملت السياسات العامة والعمومية والقطاعية على وضع برامج اجتماعية لتجاوز القيم التقليدية التي تحول دون تطور الفرد والمجتمع؟ ما هي الآليات التي اتبعتها الدولة في ذلك لتحويل الحياة الاجتماعية من حياة يغلب عليها الترحال الى حياة الاستقرار؟
ان العمل على تطوير المجتمع يسير بوثيرة جد ثقيلة ولا يأتي إلا بمناسبة التقطيع الترابي حيث ترقية إحدى الجماعات من مستوى قروي إلى حضرية مثلا، أو بمناسبة شق الطرق وفك العزلة، أو كهربة العالم القروي أو بناء المدارس التي تتطلب برامج طويلة الأمد.
وبالفعل أصبحنا نلاحظ تفتح المجتمع شيئا فشيئا، منذ فتح المجال أمام الصحون المقعرة (البارا بول) مما أدى إلى تراجع نسبة التنافر والتباعد الاجتماعي، وتداول الأخبار بين الناس، إما عن طريق الكتابة والقراءة أو السمعي البصري، وبالتالي نتطلع إلى مجتمع يتجاوز الجهل والأمية والفقر، مجتمع الانتظارية من المركز ليرسم له سياساته المجالية.
صحيح أن القيم تبقى شيئا نسبيا، فإما أن يكون لها حضور أو غياب، لكن حينما يتعلق الأمر بالجهل والأمية والفقر، فهنا مشروعية السياسات العامة والعمومية والقطاعية المقرونة بالقرارات الجهوية والاقليمية والمحلية، في تطوير ونماء المجتمع تبقى محل تساؤل؟
فإذا كان هذا الخطاب ممكن قبوله والتسليم به في السنوات الأولى للاستقلال؛ حيث التذرع بخطاب الدولة الفتية ومتطلبات الإجماع الوطني، فإنه حاليا النظرة النمطية للجهوي وللمحلي على انه غير قادر على بلورة سياسات عمومية ترابية ومحلية واتخاذ القرار الجهوي والمحلي المناسب له، تبقى رؤية ضيقة غير مقبولة.
انعكاسات القرار الجهوي والمحلي على البنيات الاجتماعية تؤدي الى الانتقال من حياة الترحال إلى حياة الاستقرار؛ من حياة الجمود الى الحركية والانفتاح، وذلك من خلال العمل على احداث بنيات تحتية وفوقية دفعت بالمترحل الى الاستقرار الجغرافي في مكان محدد جغرافيا، وبالتالي تجاوز حالات التنقل للبحث عن نقط الماء والكلأ، وما يترتب عن ذلك من نزاعات حول استغلال أراضي الرعي والفوضى في استغلال المجال، وهذا ما يصطلح عليه التثبيت في الأمكنة المحددة للساكنة.
الاستقرار بمعناه الاندماجي، أي توظيف الوسائل السياسية والاجتماعية والاقتصادية والإدارية في عملية الإدماج الاجتماعي؛ من خلال ممارسة أنشطة زراعية وفلاحية والتجارة والخدمات والصناعة وحفر الآبار، السواقي… وغيرها وكذا وتنامي الوعي المجتمعي ومحاولة تحويل القبيلة إلى تنظيم مؤسساتي مدني سياسي واجتماعي وتجاوز الغنيمة القائمة على اقتصاد الريع وتحويلها إلى اقتصاد ضريبي إنتاجي. فالمجتمعات التنضيدية والانقسامية تتميز بانطوائها على هرمية متدرجة حسب الحجم والقوة، حيث لا يمكن الحديث عن فكرة التمازج والوحدة والتكامل في ظل هذا الوضع المجتمعي، مما ولد فكرة الاستقلالية عن المركز، حيث التبعية للسلطة الروحية والدينية رغم حالات التأزم التي كانت تسود في العلاقة بينهما؛ من خلال مظاهر التمرد أو الاعتراف بسلطة المخزن في علاقة تجاذبيه للدولة والسلطة والمجتمع من خلال عناصر وتفكك الثابت والمتحول في علاقة الدولة بالقبائل في المغرب. إلا ان توظيف آليات التحالف والتضامن الجماعي والولاء المحلي والجهوي سمحت بتقليص الانقسامية وإقرار نوع من التمازج والتعايش.
إن التحالف أو الترابط العائلي والقبلي يقوم على قاعدة الزواج أو المصاهرة أي ما يمكن أن يطلق عليه سوسيولوجيا بالاستعمال الاجتماعي للقرابة وشبكة العلاقات العائلية، من خلال الوظائف التي تتم تعبئة الجماعات والافراد من أجلها بالفعل من اجل تحقيق الاهداف والوصول الى الغايات عبر وسائل الضغط المختلفة التي تمارسها النخبة عبر هذه القنوات التي لا يستطيع ان يدخلها سوى من يقبل بقوانين اللعبة داخلها. وبالتالي فالزواج ببنت العم يفرض نفسه في الواقع، بحيث ينظر إلى الزواج بأجنبية أو أجنبي بأنه خطر يهدد ميراث ” اجماعة ” القول الشعبي المغربي” لا تدع خيرنا يتولاه غيرنا” كما أنه كثيرا ما نجد المصاهرة كانت آلية لضبط النسق القبلي وتجاوز الخلاف بين عدة قبائل ومجموعات وجهات وحتى تفادي المواجهة مع الدولة، مما أدى إلى التعايش الاجتماعي بينها، وكما يقول ابن خلدون في مقدمته: “أهل الأمصار كثير منهم ملتحمون بالصهر يجذب بعضهم بعضا”. إلا أن هذا الوضع لا ينطبق على الجماعات النسبية التي كانت تمارس الرعي المترحل في المناطق الصحراوية وشبه الصحراوية، حيث يتميز نمط عيشها بالتنقل المستمر بحثا عن نقط الماء أو الطرق والقوافل التجارية بالنسبة لممارسي التجارة.
وهكذا، فإن الاستقرار سواء عن طريق التحضر أو الإقامة في الأراضي الزراعية، أصبح يحطم النسق القبلي، حيث ارتفاع الاختلاط والتبادل، وبالتالي شكل انحلال الروابط بين العائلات والقبائل وتجاوز الخاصية العدوانية والحربية، حيث أصبحت نوعا من والأمجاد يمكن أن تحيي أو تشتعل من جديد أو تستعمل في إطارات أخرى، إذ تعيد إنتاج نشاطات سياسية اقتصادية وعلاقات اجتماعية مشابهة لتلك في ذلك “الماضي المجيد”؛ حيث بدأت تتكيف مع حياة الاستقرار الحضرية والزراعية، مما أدى إلى تفكك النسق القيمي العائلي والقبلي التقليدي.
“فالعرض” كمحدد للعلاقات الاجتماعية له عدة تمظهرات، حيث يشمل المجالات المحرمة كالأرض أو تراب الجماعة، الماشية، النساء، البيت وغيرها، كقيم اقتصادية مرتبطة بقيم اجتماعية ورمزية، فالبحث عن الأرض لكونها قيمة اقتصادية تأخذ قيمة رمزية غير مطابقة مع مزاياها التقنية والاقتصادية الحقيقية، بحيث إذا سقطت بين يدي معتد، تصبح قضية عرض مماثلة لرد الإهانة.
أما بالنسبة لتراب الجماعة، فإن كل رجل زعيم قبيلة يصبح مسئولا على الدفاع عن تراب الجماعة، كما أن كل جماعة انقسامية من واجبها أن تحافظ على سيادة ترابها، وبالتالي تصبح مجالا محرما من واجب كل جماعة أن تمارس سلطتها عليه، إلا أنه مع ذلك فالانقسامية القبلية غالبا ما كانت تقوم على التناوب بين جميع أفراد القبيلة أو “اجماعة”.
النسق القيمي العائلي والقبلي القائم على العرض، تحكمه وتتجاذبه عدة قيم رمزية ومجالات محرمة، والاعتداء على هذه القيم والمجالات المحرمة يبقى غير مقبول، وذلك من خلال المبارزات الكلامية وتبادل الكلام ومصاريف الأبهة إلى غير ذلك، حيث وهنا نجد مثلا أفراد معينين يعارضون لا لشيء، فقط من أجل المعارضة أو حتى دون أن يعرفوا صلب الموضوع.
في ظل هذا الوضع من التحالف العائلي والقبلي، يبقى مجال الحزبية مجالا ضيقا تسيطر عليه النعرة القبلية، بحيث أن الحزب والنقابة فهم حديث يتنافى والتحالف العائلي والقبلي في ثوبه التقليدي، فمثلا نسبة المستوى الثقافي للمنتخبين في الاستحقاقات الأخيرة، نجد أن شبه الأميين يبلغ 41% و29% مستوى ابتدائي و20% مستوى ثانوي، بينما المستوى العالي لا يتجاوز 8%.
نستنتج من خلال هذه المعطيات ان القرار الجهوي والمحلي له تأثير كبير على البنيات القبلية والعائلية من خلال تكسير قواعد التحالف الى مجتمع مؤسساتي حداثي عبر الانخراط في الجمعيات والأحزاب والانخراط في التعاونيات وتجاوز البنيات التقليدية القائمة على النعرة القبلية.
مقتطف من كتاب الفاعلون في السياسات العمومية الترابية. منشورات المجلة المغربية للتنمية والإدارة المحلية.
سلسلة مواضيع الساعة. العدد: 130 سنةً 2020 الرباط. للدكتور عبدالله شنفار.