أخبار وطنيةكتاب الرأي

على هامش تقديم البرنامج المندمج لدعم وتمويل المقاولات الذي ترأسه جلالة الملك محمد السادس..

بقلم : الدكتور عبد الله شنفار

المناداة بالتسويات الاقتصادية والاجتماعية، جاء في إطار المتغيرات والتحولات المهمة التي يمر بها المغرب، حيث التغييرات الاقتصادية، ورهان اقتصاد السوق والمنافسة العالمية، التغييرات المؤسساتية والدستورية إلى غيرها.
وقد ذهب البعض إلى اعتباره تكتيكا، يترجم رفض لعب “لعبة المؤسسات”، حيث جعل من التناوب السياسي عنصره المحرك أو المعرقل، أي رهان أساسي من أجل مراقبة النسق السياسي واعتباره لعبة براغماتية لا تخلو من الغموض، بحيث لا يستجيب للعبة الديمقراطية، بقدر ما تكتيك يصب في إطار الصراع على السلطة.
لكن هل يمكن الحديث عن الشريك الاقتصادي في التسويات والإلتقائية؟ هل يمكن اعتبار الغرفة الثانية، أي غرفة المستشارين قد جاءت كرد فعل ضد إقصاء المحاور الاقتصادي؟
كان شعار المناظرة الأولى للجماعات المحلية بمراكش في فاتح إلى 4 دجنبر 1977 حول التعايش .. وكانت البلاد قد خرجت آنذاك من فراغ سياسي مهول، حيث التوتر والتفرقة، التي خيمت على المجتمع المغربي. فكان لابد من تجاوز هذه التفرقة، وهكذا بدأ التقارب شيئا فشيئا، حول الوحدة الوطنية وإن كان التباين على مستوى الأفكار والتوجهات.
فجاء التمازج الذي طبع المرحلة الأكثر دقة، لتجاوز منعطف الفراغ. إلا أن الكيفية التي صيغ بها التعايش الاقتصادي والاجتماعي أي من خلال إدارة اليومي لم تستطع الوصول إلى النتيجة المتوخاة؛ بحيث إن الكيفية التي قدمت بها أو تمت المطالبة بالاستقلالية في ظلها لم تأت من القاعدة ولكن السلطة من فوق، فرضت حلولا، من خلال ترسانة قانونية وتنظيمية وتقسيمات جهوية لم تعمل إلا على تأجيج التنافر والتباعد بين مكونات المجمع.
فكيف يمكن تجاوز هذا التعايش التنازعي بين مكونات المجتمع؟ وماهي العوائق التي تحول دون الوصول إلى تراضي اقتصادي واجتماعي؟
فعلى المستوى الاقتصادي ومنذ شتنبر 1994؛ تاريخ إحداث المجلس الاستشاري المكلف بتتبع الحوار الاجتماعي بين الشركاء والأطراف الاجتماعية (الحكومة، الغرف المهنية، أرباب العمل و نقابات العمال) شكل محطة لدراسة مشاكل الشغل ووضعية العمال، والجميع يتطلع إلى خلق تسوية تراعي مصالح جميع الأطراف، وبالتالي وضع حد لحالة التوتر الاجتماعي والتعطيل الاقتصادي والانتاجي.
هذا، ويمكن إدخال الصراع في الحوار بين الحكومة والمؤسسات المالية والبنكية حول تقليص الفائدة من طرف الأبناك لخلق توازن المعيار المالي. ومراقبة سلوك الأبناك في السرقات الخفية لأموال وحقوق الزبناء، من خلال العمليات البنكية: (الشيك، الكمبيالة، الحوالة وغيرها …).
إجراء آخر لا يقل أهمية عن الأول، حيث الاتفاق الضريبي، من أجل تفادي ازدواجية الضريبة، وضمان حرية الاستثمار.
وفي إطار البرنامج المندمج لدعم وتمويل المقاولات، تم تطبيق فائدة تفضيلية بنسبة 1.25 بالمائة في إطار آلية إعادة تمويل البنوك للمقاولات، أي 100 نقطة أقل من السعر الرئيسي لبنك المغرب، وكذا تخفيف المتطلبات من الأموال الذاتية في إطار القواعد الاحترازية المطبقة على البنوك فيما يتعلق بالقروض التي تمنحها لهاته الفئات. كما أن إحداث غرفة المستشارين هي طريق آخر لإشراك الفاعلين الاقتصاديين والمهنيين للمساهمة في التنمية ومتطلباتها. لكن ماهي الإجراءات التي واكبت ذلك على المستوى الاجتماعي؟ صحيح أن المجتمع المغربي يتميز بتنضيد اجتماعي متنافر، ومظاهر هذا التنافر تظهر من خلال:
عامل اللغة: لكن اللغة لم تكن أبدا عائقا أمام تحقيق التعايش، بحيث كان دائما من يتكلم اللهجة الأمازيغية يتزوج بالتي تتكلم اللغة العربية أو اللهجة الريفية أو “الشلحة” والعكس صحيح.
عامل التركيبة القبلية: رغم ثقل التاريخ الذي عملت سلطات الحماية على تأجيجه، من خلال سياستها “فرق تسد”، وزرع التفرقة بين القبائل واصدارها للظهير البربري، إلا أنه مع ذلك أمكن التغلب على هذا التنازع وذلك من خلال عدة آليات، منها؛ مثلا إيجاد حلول وتسوية لأراضي الجموع التي تعتبر الأساس في هذا التباعد، وبالتالي التقليل من حدة النزاع على الأقل. وأيضا هناك إمكانية أخرى، وذلك بمناسبة التقطيع الجماعي، الذي يراعي التقارب العرقي للتخفيف من حدة التناحر. كما أن الإجراءات المصاحبة لعملية الانتخابات والحملات الانتخابية أدت لامحالة إلى تفادي التصادم. التي كانت وكأنها القيامة كما وصف ذلك جلالة الملك محمد السادس.
فالمجتمع المغربي كان دائما يتمتع بنوع من “الديمو فوضوية” أي الديمقراطية المصحوبة بنوع من الفوضى، لكن لا تصل إلى حد التناحر على المستوى الاجتماعي والتي لا تلبت أن تنطفي من خلال تدخل أو وساطة جهة أخرى أو أصحاب الخير والحسنات.
والتنافر هو الآخر يخضع لمتغيرات: كالجهل وسيادة الأمية، وأيضا الفقر وغلاء المعيشة، أو الجفاف والبطالة وكلها حالات إذا أمكن التأثير فيها وعليها لا شيء يمنع من تراض وتسويات اقتصادية واجتماعية وتلك مهمة العقليات الإدارية وبتعاون مع المواطن وإشراك للفاعلين الاقتصاديين. أي إدخال الإدارة في مشروع مجتمعي جديد ضخم وتنافسي، في إطار مشروع قادر على بلورة الجهود والمعطيات في إطار عقد اجتماعي جديد، في زمان انتهاء الأيديولوجيات. وبالتالي بلورة انسجام اجتماعي واقتصادي قوامه الانتقال الاقتصادي، يؤدي إلى إنتاج مبادئ دولة مغربية حديثة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى