أخبار وطنيةكتاب الرأي

من أجل نموذج تنموي متفاوض حوله: من خلال سياسة التسويات والإلتقائية والايمان بالفكر المغاير

بقلم : الدكتور عبد الله شنفار

ننطلق من هذا التساؤل: هل يمكن تصور تسويات تقوم على مساهمة جميع الفئات والفاعلين بطريقة أو بأخرى ضمن المفاوضات السياسية، الاقتصادية والاجتماعية في المغرب، وبالتالي مشاركة كل الفئات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية في مشروع النموذج التنموي الذي دعا له جلالة الملك محمد السادس؟
سنقوم بمقاربة هذا الوضع على مستويين:
1. المستوى الأول وفي دائرة أوسع، أي في علاقة القوى السياسية، الاقتصادية الاجتماعية والثقافية.
2. المستوى الثاني في دائرة أضيق أي على المستوى المحلي والجهوي.
توجد في المغرب عدة تنظيمات متنوعة ومتعددة، تعمل داخل الفضاء المغربي. سنرى ما إذا كان التراضي والتناوب أو التداول على السلطة، من خلال سياسة التسويات والإلتقائية والايمان بالفكر المغاير يستطيع تغييب التناحر الى ما لا نهاية بين مختلف الفاعلين السياسيين، وما إذا كان يمكن اعتباره مخيالا سياسيا للاتقائية والتقاطع في الأفكار والبرامج أو العكس بين هذه الفئات المختلفة؟
هناك فسيفساء من الأحزاب والنقابات والهيئات يمكن ان يصطلح عليها (موضة العصر)، بالإضافة إلى العموم أو المواطن. كلها تتغدى من مشارب مختلفة، فكيف يمكن تقريب وجهات نظرها والتي تتفاوت وتتباين بين التقليد والتحديث، بين الفكر التحرري والمحافظ، وبين الرأسمالي والاشتراكي؛ في أفق نسق منسجم لهذه الشرعيات المتناقضة.
على مستويات الادماج أو التهميش في الحقل السياسي المغربي؛ نميز في الاصلاح والتغيير والتراضي والتناوب أو التداول على السلطة، وسياسة التسويات وجبر الخواطر لتحقيق الإلتقائية والايمان بالفكر المغاير؛ من خلال الدولة التكافلية غير المعبأة، والدولة التكافلية المعبأة.
فالأولى تحيل إلى سيادة الثقافة المحافظة. والثانية حيث تقيم علاقات تعاون مع مختلف في الفضاء السياسي الفاعلين؛ في أفق نسق منسجم سياسيا واجتماعيا واقتصاديا.
فالنسق يفترض نوعا من الانسجام والتكامل بين جميع الفئات داخل المجمع. ولعل فكرة التراضي على الطراز المغربي تعتبر آلية أو تكتيك ستقود إلى الانسجام السياسي والاقتصادي والاجتماعي، انطلاقة نحو تفعيل حقيقي لمسألة السلطة السياسية والديمقراطية.
هل يمكن الحديث عن نسق سياسي بالمغرب؟
يحيل النسق إلى البنية “والبنية” كل مكون من ظواهر متماسكة يتوقف كل منها على ما عداه، ولا يمكنه أن يكون ما هو إلا بفضل علاقته بما عداه”. على حد تعبير الفقيه “لالاند” في معجمه. والنسق يفترض نوعا من الانسجام والتكامل على جميع المستويات؛ انسجام سياسي، اقتصادي واجتماعي. فهو بنية كبرى يتضمن انساقا أو بنيات صغرى sous systèmes ، وهذه الأنساق الصغرى يمكن أن تخرج من جوف النقيض، بحيث يمكن أن تكون غير منسجمة وغير متكاملة، حيث التنافر على المستوى الاجتماعي كالتركيبة القبلية، وغياب الانسجام على المستوى الاقتصادي كتوظيف وسائل تقليدية إلى جانب أخرى حديثة، أو المشهد السياسي الذي يحيل إلى التجاذب والتناقض بين أطراف اللعبة. وهنا تكمن دينامية المجتمع المغربي واستمراريته في خلق فضاء مفتوح وقابل للتطور.
قبول المغرب الدخول في رهان العولمة والحرية الاقتصادية، أصبح يتنافى وسيادة الثقافة التناحرية، ويتماهى والتسويات وايجاد صيغ للتحاور أو حتى المساومات، وهي آليات تعبر عن تطلعات مختلف الشرائح الاجتماعية، وذلك لأن من حق كل الفئات أن تعبر عن مشارعها وأفكارها وتوجهاتها، في إطار وسائل لاحتواء الصراع ووضعه في إطاره الشرعي من خلال الحوار والمفاوضات والتقارب وحسن الاصغاء.
فالفئات الاجتماعية في النظام الليبرالي والاقتصاد الحر؛ الذي اختاره المغرب؛ لا تقبل أن تكون في صراع لا متناهي ودائم؛ حيث تبحث دائما عن ايجاد صيغ للتحاور والتفاهم ولا تسمح بأن تصل إلى التناحر والباب والأفق المسدود؛ بحيث تندرج في إطار كثلة اجتماعية أو ائتلاف أغلبية في المجتمع، تحيل إلى نظام مستقر يقوم على التحالفات والتسويات بين مختلف الفاعلين وأطراف اللعبة. هذه الأغلبية تسود وتفرض فلسفتها وتوجهاتها حينما تقنع الكل بأنها تسعى خدمة الصالح العام أو على الأقل يستفاد من ذلك أنها تهدف تحقيق المصلحة العامة، وبالتالي تأخذ بعين الاعتبار كل المصالح الاجتماعية والقوى الفاعلة.
فالقوى السياسية والفاعلة يجب أن تبدي وتظهر حيادها للحفاظ على استمرارية النسق وايجاد الحلول للتناقضات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية؛ ومن خلال اندماجها أيضا ومشاركتها وكطرف في المفاوضات والتحالفات والتسويات، أو من خلال احتواء المناقشات السياسية؛ وهي وظيفة لم يستطع البرلمان المغربي أن يتخلص منها مع الأسف.
وبالتالي فالتهديد الذي لا تقبل به قوانين السوق الحر والمنافسة، إنما يأتي من إقصاء هذه الفئات من المشاركة وتهميش هذه الأقلية أو تلك في المشاركة في بلورة النموذج التنموي المراد وضعه.
فالاتقائية أو التراضي أو سياسة التسويات، كمفاهيم لعملة واحدة؛ تحيل في فهمها البسيط إلى تجاوز الحزازات وتحقيق التقارب والمصالحة بين أطراف اللعبة كمجموعات متناقضة وتنازعية، قد لا تختلف في برامجها في شيء؛ ولكن ثقل التاريخ على العقليات والحزازات هو العائق الوحيد للتواصل بين جميع هذه الفئات، معارضة، أغلبية، يمين، يسار، كثلة، وسط أو وفاق، تسميات بحكم عدم ثباتها؛ بحيث الذي في الوسط أو الوفاق اليوم، ليس هو كذلك غدا، مما يفضي إلى طرح التساؤل: اين تجد هذه التسميات شرعيتها، هل في التاريخ أم نتيجة الظرفية؟
صحيح أن اللعبة السياسية تقوم على التناوب، بحيث الذي يشكل الأغلبية اليوم، يصبح غدا محل معارضة وهكذا دواليك. فحينما انسحبت المعارضة من البرلمان سنة 1981، دفع صاحب الجلالة المرحوم الحسن الثاني آنذاك حزب أحمد عصمان في اتجاه أن يشكل المعارضة بالمجلس. لكن أن يقع الخلط والغموض في التوجهات، لدرجة لا يميز المرء بين هذا وذاك، فتمة تكمن المفارقة. فماهي سيناريوهات هذا النسق المنسجم؟ كيف نعمل على أن تكون السيطرة مجهولة على المستوى السياسي والاقتصادي والاجتماعي؟
الوعي السياسي مرتبط أساسا بوعي القوة المرافقة للفعل السياسي، والذي يحيل إلى الحد الأدنى الذي يتفق عليه الجميع من خلال الحوار والتسويات بحكم أن القيم هي شيء نسبي، وبالتالي تنتفي السيطرة سياسيا. أما حين تقنع جميع فئات المجتمع بسيادة المساواة والديمقراطية، فالسيطرة تكون مجهولة على المستوى الاجتماعي.
فالانسجام والتكامل السياسي والاقتصادي والاجتماعي يفرض نوعا من الوعي السياسي من خلال تفعيل دور المجتمع المدني، من خلال الأحزاب، الجمعيات، المنظمات، والهيئات وعمليات الانتخاب، المثقفين، الرأي العام، الرأي السياسي، النخب … إلى غير ذلك مما يحيل إليه هذا المفهوم. أو ما أطلق عليه عبد الله حمودي “بإعادة التفاوض حول العقد الاجتماعي”.
والانسجام يحيل أيضا إلى الطابع الاقتصادوي السائد، أي الفئات المنتجة في المجتمع ومدى تكاملها في تطوير قوى الانتاج في المجتمع، أي فئات تستطيع بناء مجتمع اقتصادي وقادر على المنافسة.
والانسجام أيضا يحيل إلى الوعي السائد في المجتمع ومدى التقارب أو التنافر بين فئاته ومدى سيادة التقاليد والعادات إلى جانب سيادة أساليب حديثة، والذي يفترض نوعا من التواصل بين جميع هذه القوى.
إلا أن انغلاق الفاعلين بالمغرب يحول فعلا دون ارتقاء الوعي والانسجام السياسي والاقتصادي والاجتماعي. وذلك ناتج عن تقوية وسيلة وجود متجاوزة، في شكل الباترياركا الذي ترتكز عليه بنيات المجتمع كشكل لممارسة السلطة والذي يحول دون تحقيق هذا الانسجام في شكله التكاملي والتعايشي والتضامني والتمازجي والإلتقائي.
صحيح انه لا يمكن تغييب بنية الاختلاف، وذلك لتعدد الثقافات والقيم والمبادئ والفكر المغاير، وإلا سنعمل على إقبار نمط السلوك السياسي المختلف، مما يفضي إلى القضاء على البنية المتناقضة. إلا أنه مع ذلك، فالانسجام يفترض البحث عن قواعد تابثة في المجتمع، يجب الكشف عنها واحترامها كحرية الرأي والتعبير، احترام حقيقي للحريات العامة وحقوق الانسان، انتخابات نزيهة، التناوب أو حكم الأغلبية التي تستطيع إقناع الجميع بهدفها خدمة الصالح العام والتوفيق بين مجموع المصالح المتناقضة، آنذاك يمكن الحديث عن نسق منسجم سياسيا واقتصاديا واجتماعيا يفرز لنا نموذجا تنمويا متكاملا يرى فيه الجميه قيمة وجوده.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى