أخبار وطنيةكتاب الرأي

الفعل الاداري المغربي دراسة في عقلية الإدارة المغربية

بقلم : الدكتور عبدالله شنفار

ننطلق من التساؤل: هل البحث في مجال الفعل الاداري المغربي يبقى من باب العبث؟ وهو السؤال المنهجي الذي نبدأ به هذه الدراسة؛ ونجيب ان صعوبة تناول هذا الموضوع والبحث في الفعل الاداري المغربي وعقلية الإدارة المغربية، تكمن في بعض العناصر والمحددات والأبعاد والسياقات التي يمكن اجمالها فيما يلي:
– كثرة المرافق العامة وتشعبها وصعوبة فهمها واستيعابها.
– ظهور انماط جديد في مقاربة التنمية على المستوى الوطني وتراجع ادوار الدولة في ظل تنامي دور الجهوي والمحلي واللجوء الى البحث عن شركاء في رسم السياسات العامة.
– الأهمية الأكاديمية والبحث الأكاديمي، حيث ان الباحثين في مجال العلوم الإدارية لم يخصصوا مجالا متميزا للفعل الاداري، وتبقى الدراسات تشمل القرار الإداري والإجراءات القانونية المرافقة له والتي اتخذ في إطارها؛ بحيث اهتم الباحثون ولوقت طويل بمجال تبرير الإدارة للقرار المتخذ من طرفها ومحاولة إعطاء مفهوم للسلطة التقديرية للإدارة إلى غير ذلك؛ في حين أن الفعل الاداري محور نشاط الادارة هو في نفس الوقت ذو طبيعة قانونية وسياسية واجتماعية ونفسية وإدارية، وما كان ليعرف تطورا لولا مساهمة حقول معرفية أخرى ساهمت في بلورة نظريات علمية في هذا المجال؛ كعلم الاقتصاد والمحاسبة وعلم الإدارة وعلم الاجتماع وعلم النفس الاجتماعي وغيره من العلوم.
– حتى الكتابة عن المرافق العامة تأتي متفرقة في العديد من الأبحاث، كالقانون الإداري المغربي أو الوجيز في القانون الإداري المغربي… إلى غير ذلك.
– غياب الانفتاح بين الإدارة والجامعة، تحت غطاء السر المهني الذي تتدرع به الإدارة أحيانا.
– غياب أو تراكم الأرشيف وحتى إن وجد فهو غير منظم ومرتب حسب السنوات وطبيعة الانشطة.
– تولي المغاربة بعد الاستقلال شؤون الإدارة ومن جراء ذهاب المؤطر الأجنبي، وحيث قوة الفكر التحرري، مما جعل نوعا من القطيعة بين المرحلة السابقة، حيث تم تدمير كل ماله صلة بالاستعمار، بالإضافة الى ان السلطات الفرنسية أخذت جل الوثائق المهمة معها.
– الادارة والقانون الإداري عنصران مرتبطان، لكن دراسة الإدارة العمومية لا يقتصر النظر إليها من وجهة النظر القانونية فقط، بل هو مجموعة عناصر بشرية، مادية، مالية، وتقنية إلى غير ذلك، وهذه عناصر لا يمكن التغاضي عنها وإلا كانت النظرة قاصرة ومحدودة في الحقيقة المكونة للإدارة العمومية.
أيضا الظاهرة الإدارية تقيم حدودا بين الإدارة العمومية والإدارة الخاصة حيث إن النتائج العامة المتوصل إليها في هذه الأخيرة يمكن أن تستعين بها الأولى في مجالي التدبير والتسيير والعقلنة والترشيد، إلا أن المنظومة الإدارية في المغرب عرفت تطورا خلال العقود الأخيرة حسب منطق خاص بها وبعقلياتها على عكس ما يذهب إليه “ميشال روسي” في كتابه: “المرفق العام بالمغرب”، حيث يرى أن هذا التطور ثم في إطار النظام الإداري الفرنسي!
ما المقصود بالفعل الإداري وبعقلية الإدارة؟
مصطلح الفعل يدل على حدث مرتبط بزمن؛ وأقسامه ثلاثة أفعال: فعل ماض، فعل مضارع وفعل أمر. وأقسام الفعل حسب اللزوم والتعدي:
– الفعل اللازم هو الذي يكتفي بالفعل لإتمام معناه، ويلحق الفاعل. وفي الفعل الاداري او الأفعال الادارية مثل ادار الموظف بالإدارة. أي المشرفين: (ب) و(على) و(في)؛ مختلف المرافق العامة للدولة.
– أما الفعل المتعدي فهو الذي لا يكتفي بالفاعل؛ بل يحتاج إلى مفعول به ليتم المعنى، مثل ادار الموظف الإدارة، ونشير هنا إلى أنّ هناك أفعال تحتاج لمفعولين وهناك أخرى تحتاج لثلاثة مفاعيل.
وقد عرَّف سيبويه الفعل في كتابه الكتاب فقال: ” وأما الفعل فأمثلةٌ أخذت من لفظ أحداث الأسماء، وبُنيت لما مضى، وما يكونُ ولم يقع، وما هوَ كائنٌ لا ينقطع”.
فالفعل الاداري هو جميع التصرفات والسلوكات والقرارات والأفعال الصادرة عن الموظفين والمسؤولين بمناسبة أداء مهامهم.
اما مصطلح عقلية، فهو حديث النشأة حيث ظهر استعماله مع بداية القرن 20. ففي الثقافة الشفوية واللسان العامي يحيل إلى السلوك والمواقف الجماعية والأشكال الذهنية؛ أي “تصور معين للعالم”.
مصطلح عقلية لغة: مصدر لفعل عقل عقلا وعقلية ومعقولا أي أدرك وعرف الخطأ الذي كان عليه، وعقل الشيء يعني فهمه وتدبره وحسب معجم العلوم الاجتماعية والتاريخية، فإن مصطلح عقلية يحيل إلى فهم في الإثنولوجيا والسلوكات الانفعالية للفرد والتجمعات البشرية وسلوكات المجموعات الاجتماعية.
لذلك نجد العديد من الباحثين تناولوه في إطار الاثنلوجيا، علم النفس، الأنثروبولوجيا، “بين لفي برول” (الوظائف العقلية في المجتمعات السفلى) 1910 (العقلية البدائية) 1922، و”بلونديل” (العقلية البدائية) 1926، و”فالون” الذي يقارب العقلية البدائية بعقلية الطفل في مقال له سنة 1928؛ أي البحث في السلوكات المتعارضة مع المألوف ونقد الأفكار”.
وإذا كان من الصعب ضبط هذا المفهوم بشكل علمي، إلا أنه من الممكن مقاربته من خلال انخراطه داخل مؤسسة منظمة ومهيكلة بشكل معين، وبالتالي إمكانية مقاربة، فهم، ودراسة وتحليل الاستراتيجية التي تسير عليها الادارة.
فالفعل الإداري هو في حقيقته استراتيجية، وسياسات، وقائع، وسلوكات، وتوجهات، وبدائل وخيارات تتموضع في إطار أنشطة سياسية، واقتصادية، واجتماعية، وثقافية، وحضارية … إلى غير ذلك، والتي أدت إلى إفرازها، أي العقلية.
فعقلية إدارة معينة هي مجموع الأفعال التي تؤطر ذلك المجمع، أي عناصر منظمة وفق مستويات اللعبة السياسية، الاقتصادية والاجتماعية.
وعقلية، مصطلح يحيل منذ الوهلة الأولى إلى معنى قدحي أي كل ما هو سلبي في الإدارة، لكن هذه القراءة السريعة تؤدي بنا إلى المغالطة ؛ فعقلية لا تحيل دائما إلى الجانب السلبي، ولكن ارتباطها بعناصر سلبية، من خلال العجز عن مواكبة التنمية، وسلوك المشرفين والمدبرين للسياسة العامة وراسميها هو الذي يؤدي إلى هذا التصور؛ فلو تعلق الأمر بإدارة أخرى، كأن نقول عقلية الإدارة الأمريكية؛ أكيد لذى البعض قد يتعلق الأمر بتصرف الإدارة الأمريكية وسلوكها مع المنتظم الدولي في جانبها السلبي كدركي العالم، ولكن في جانبها الإيجابي، أي على المستوى الداخلي للولايات المتحدة الأمريكية يحيل إلى فعالية في خدمة التنمية. لو تعلق الأمر بعقلية الإدارة اليابانية أو الفرنسية أو التونسية … لكان الأمر غير ذلك كأن تحيل إلى كل ما هو إيجابي.
وفي اتجاه آخر يمكن مقاربة هذه العقلية من خلال البرامج والدراسات التي تنجزها، والصفقات التي تبرمها، وإعداد الميزانية بحكم وظائف التحضير والإعلام والتنفيذ التي أنيطت بهذه العقليات. وأيضا من خلال علاقتها بالمحيط الذي تتواجد فيه، ومدى المراقبة على النشاط الذي تقوم به،
– بنياتها وتوزيع العمل بين هياكلها، ومدى التنسيق وتجميع الوظائف،
العقلية أيضا تحيل إلى المجتمع الإداري، العنصر البشري، اعوان الإدارة في مختلف الأسلاك والرواتب والنظام القانوني الخاضعين له، الحوافز، السلوك، التجربة، الأقدمية، مستوى التكوين، العلاقة بين أعوان الإدارة الواحدة، الصراع، النفاق، التملق، العنصر النسوي داخل الإدارة، ظاهرة الأشخاص ذوي التوجه الأكثر “تدينا”… الى غير ذلك.
العقلية أيضا تحيل إلى مدى تأثير الأنظمة السياسية في العقليات، أي درجة التوازن من النوع الخاص بين القوى السياسية والاجتماعية والاقتصادية (كثل الضغط، الدواوين الوزارية، الموظفون السامون، الرؤساء، أصحاب الأموال المستثمرين الحقيقيين والمستثمرين الطفيليين والجماعات المنظمة، أحزاب، نقابات، هيئات، والعموم أيضا. كلها عناصر تجاذبية).
وإجمالا فالعقلية تحيل إلى خدمة التنمية الاقتصادية الاجتماعية، الثقافية والحضارية، أي الصالح العام في آخر المطاف، سواء على المستوى المركزي، عدم التركيز أو اللامركزية، بل على مستوى جميع السلط التشريعية والتنفيذية والقضائية، بحيث لا يمكن التمييز بين القلم وصاحبه، أي الفاعل والمفعول به.
فالتصور الكلاسيكي يجعل الحدود بين آلية الحكم وآلية التدبير، وبالتالي يحدد وظائف الدولة من خلال مبدأ فصل السلط، حيث مجال التشريع، التنفيذ والقضاء. فالأولى تتولى مهمة رسم فكرة للقانون التي هي في الحقيقة الإدارة سواء في إطار اللجان البرلمانية أو أي شكل آخر، كقسم التشريع بالوزارات مثلا، في حين تتولى الثانية مهمة الإشراف في وعلى وبالتنفيذ بواسطة الإدارة التي ليست شيئا آخر سوى هذا التنفيذ الذي يتولى وظيفة الإعداد، الإعلام والتنفيذ. أما الثالثة فتتولى مهمة المراقبة لصور المخالفة للقانون أي الضابط للنسق.
مهما تعددت الوظائف والاختصاصات فالهدف يبقى واحدا ألا وهو خدمة الصالح العام والمصالح العليا للمجتمع، فلو سلمنا بالقول: الإدارة رهن إشارة الحكومة، هنا نتساءل أيهما في يد الآخر؟ وماذا سيبقى لإحداهما لو تولى الآخر مهمة التنفيذ؟
مشال دبري (Michel Debré) يتساءل عن ماهية الإدارة، بالأحرى الموظفين الذين يكونونها؟
لو سلمنا كذلك بالقول كون السلطة التنفيذية – الحكومة – تتولى مهمة صنع القرار، هنا نقول أن هذه العملية تمت فعلا في وبواسطة الإدارة كجهاز تحضير. فالإدارة ليست مجرد وسيلة لتنفيذ السياسات والخيارات والأهداف والبرامج، ولكن هي أيضا واضعة وراسمة هذه الخيارات والسياسات والأهداف والبرامج، فالعقلية إذن هي استراتيجية، تكتيك، روتين، مظاهرها سياسات، خيارات وبدائل، أهداف، أنشطة وخدمات فعالة، مستخدمة، منسجمة، متعطلة، متأزمة، لا تعكس في الحقيقة إلا هذه العقلية في آلية الحكم وآلية التدبير أي الفاعل والمفعول به، من خلال هذه المظاهر، فقط، نستطيع الحكم على هذه العقلية في سعيها لخدمة متطلبات التنمية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى