أين ذهبت البركة؟

المغرب نيوز
يتساءل الدكتور عبد الله شنفار المتخصص في علم السياسة والقانون الدستوري والعلوم الادارية؛ ومن خلال دراساته حول السياسات العمومية والقرار المحلي؛ تساؤلات ابستمولوجية حول ذهاب البركة؟ وهل كانت بالفعل بركة في الماضي؟ وهل فعلا ذهبت البركة بذهاب أصحابها؟ وأين ذهبت بركة الفقيه؟
ويجيب الباحث على هذه التساؤلات مستحضرا التاريخ، حيث يرى أنه في الستينات من القرن الماضي قول أحد الفقهاء أن البركة قد ذهبت لما أصبحنا نتشبه بالنصارى في التحية ورد السلام بوضع اليد اليمنى على جبهة الرأس من الجهة اليمني في اشارة للتحية العسكرية! وقول آخر أن البركة قد ذهبت لما أصبحنا ندعو إلى تعليم المرأة! حيث أمر وبهزة كتف مستهزئا واشتط غضبا وبإشارة بعكازه الذي يتخذه متكأ؛ مشيرا الى الإمام الحداثي بالنزول من فوق المنبر لأن تعلم المرأة: حــــــــــــــــــرام على حد تعبيره. فما كان الا ان استجاب الخطيب فورا ونزل من فوق المنبر في إطار علاقة الشيخ بالمريد والعلاقة الأبوية السائدة في ذلك العهد؛ حيث الصرامة الذكرية. على هامش قراءة في كتاب النقد الذاتي للمرحوم علال الفاسي.
إلى أن جاء ملك البلاد الذي اجلسها على منبر عال وجلس هو أرضا؛ وهي تلقي درسًا من الدروس الحسنية الرمضانية.
هل ذلك العصر الذي عاش فيه أجدادنا؛ كان عصر وفرة أم ندرة؟ وفي اعتقادي ثقافة الوفرة في كل شيء؛ هي ما يميز العصر الحالي. وثقافة الندرة هي ما ميز العصر الماضي في جميع بلدان العالم؛ وليس في المغرب وحده.
من الناحية الاقتصادية والديمغرافية والسوسيو ثقافية والأيديولوجية وكمثال على ذلك، نجد تنظيم الري بعد تشييد سد المنصور الذهبي بورززات على ضفتي وادي درعه، حيث عقلنة وترشيد استعمال مياه الري؛ إذ في وقت كان فيه جريان المياه ينساب بشكل دائم بالوادي، تدخلت الدولة فقامت بتقنينه حيث عملت على تنظيم طلقات السد على فترات تتناسب والموسم الفلاحي. هذا التنظيم والعقلنة والترشيد في اقتصاد الماء، فسره الناس بذهاب البركة حسب زعمهم.
وذهاب هذه البركة أثر كثيرا على بنية القرابة العائلية والقبلية وقواعد التحالف في صورتيه التقليدية والحداثية ؛ حيث تميز البنيات الاجتماعية والعائلية في المجتمع التقليدي بالفقر التكنولوجي وفي الإنتاج ومصادر الثروة وآليات إنتاجها وتوزيعها بشكل عادل بين الأفراد والجماعات والمناطق؛ حيث تسود ثقافة الضرورة، وثقافة الندرة دون أن يكون هناك تضامن مؤسساتي؛ أي مجرد تكثيف في العلاقات الاجتماعية.
وهذا الشكل من النظام القرابي العائلي والقبلي بدأ يعرف نوعا من التفكك بحكم الانفتاح، خاصة بعد وصول الكهرباء والتلفاز والصحون المقعرة وفك العزلة عن العالم القروي من خلال شق الطرق، والسياسات العامة المتعلقة بالأم والطفل والتعليم، والصحة وغيرها … مما حول هذه العائلات والقبائل في المغرب إلى جماعات نسبية مستقرة، عوض العائلة النووية أو العائلة الممتدة المترحلة. وهذا التفكك شمل علاقات الذكورية الصارمة، حيث كان يستمر الأولاد بعد زواجهم في العيش مع آبائهم وأمهاتهم، حيث أنه حسب دراسة إشكاليات التكوين التاريخي والسياسي للمؤسسات والوقائع الاجتماعية في المغرب؛ كانوا يتعايشون مكونين بيوت العصب الذكوري.
هذا، وحتى طقوس الزواج قد ذهبت عنها البركة وطرا عليها تغييرا وتحولات كبيرة؛ حيث كانت في السابق حفلات العرس أو “تسليت” تدوم سبعة ايام متتالية على مستوى العائلات وكل يوم يحمل تسمية. أما في الوقت الحالي فنجد التضامن والتماسك والكرم يأتي أحيانا فقط كرد فعل ضد ثقافة الوفرة في الإنتاج والمحاصيل والمخزون أو سيادة ثقافة الحداثة؛ أي «عندما يشيط الأكل أخرجه صدقة في سبيل الله على الجيران أو الحارس الليلي”. الناتج عن مجرد ثقافة البذخ والاسراف والتبذير التي تظهر غالبا في شهر رمضان.
صحيح ان البنية العائلة والقبلية السائدة في المغرب تتميز بنوع من التنضيد الاجتماعي المتنافر؛ غير أنها مع ذلك تعرف نوعا من التعايش والتضامن؛ ولو أنه تنازعي خاصة بمناسبة الانتخابات أو استغلال أراضي الجموع أو بمناسبة إنجاز مشروع اجتماعي او اقتصادي معين بالمنطقة المستهدفة.
في الصراحة، الوفرة في وسائل التكنولوجيا الحديثة وفي اللباس والإنتاج وفي الأكل وفي كل شيء؛ يتميز بها العصر الحالي. أما الندرة في كل شيء؛ ففعلا ذهبت مع أصحابها. فقط ان الفرق بين بركة الأجداد وبركة العصر الحالي يكمن في كون البركة الحالية شبيهة بقطيع الكلاب التي ليس فيها بركة، وقطيع الأغنام التي أجاز الرسول صلى الله عليه وسلم الصلاة في مرابضها، حيث فيها البركة. وفيما رواه أبو هريرة: “الغَنَمُ مِن دوَابِّ الجنَّةِ؛ فامسَحوا رَغَامَها، وصَلُّوا في مَرابِضِها.” وفي قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَٰكِن كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾. فهل فعلا ذهبت البركة مع أصحابها؟




