المسرح الكبير للدار البيضاء..أيقونة المسارح المغربية والأكبر في إفريقيا
بقلم الدكتور طارق الربح
فتح المغرب، سنة 2009، باب التباري لكبار المهندسين العالميين المتخصصين في تصميم المسارح والبِنْيات الثقافية، وذلك من أجل اختيار تصميم معماري مناسب لمعلمة بحجم المسرح الكبير لمدينة الدار البيضاء، وقد تمّ تعيين لجنة مغربية رفيعة المستوى لتقوم بدراسة المقترحات وانتقاء الأنسب، فاستقر اختيارها على مقترح المهندس العالمي المرموق “Christian De Portzamparc”، وهو فرنسي الجنسية وكوني الروح، له مجموعة من المعالم المعمارية في كبريات دول العالم. وقد أشرف معه على إنجاز المشروع المهندس المعماري المغربي “رشيد الأندلسي”.
يعتبر “المسرح الكبير للدار البيضاء”، الّذي بلغ إنجازه مرحلة برمجة العروض التجريبية، الأكبر على الصعيد الإفريقي، والأكثر تميزّا من بين مسارح القارة الإفريقية من حيث المعمار. وهو ما يؤكده “إتحاد السينوغرافيين بفرنسا” (UDS)، الّذي نشر مقالا في الموضوع، حيث استثمرت في بناءه أعقد التكنولوجيات، واختيرت لتجهيزه أحدث الآلات والآليات. وقد شيد على مساحة 20245 متر مربع، من “ساحة محمد الخامس” بقلب مدينة الدار البيضاء.
إنّه توليفة معمارية كاملة ومتكاملة، لمجموعة من المرافق، تجعل منه معلمة ثقافية قادرة على استقبال مختلف أصناف العروض الفنية، الكبيرة والصغيرة والمتوسطة، بما يليق بها من بنيات تحتية، وتجهيزات لوجستيكية، وتقنيات عالية الجودة.
صمم المهندس “De Portzamparc” هذا المسرح على طراز “l’art Nouveau”، وجعله يتميّز بخصوصية هندسية مستوحاة من ملامح المدينة القديمة للدار البيضاء، بأزقتها المتقاطعة وبناياتها المركبة وطلاءها الناصع البياض، لتتلاءم في جمالياتها مع محيطها الحضري، وتستجيب في وظيفتها لتطلعات المواطن البيضاوي والمغربي.
[wp_ad_camp_3]تمت الاستعانة في بناء “المسرح الكبير للدار البيضاء” بأكثر من 12 شركة ومقاولة، من مختلف التخصصات، منها الوطنية والدولية، وقد روعي في اختيارها شرطي التخصص والكفاءة، واقتران ذلك بالتجربة، لينضاف هذا الصرح للإرث المعماري المعاصر، الغني والمتباين، الذي تزخر به الدار البيضاء، كبرى حواضر المغرب.
يضم المسرح الكبير للدار البيضاء ثلاث قاعات مخصصة لاستقبال العروض الفنية، بطاقات استيعابية مختلفة، وبخصوصيات معمارية متناسقة، وبمعطيات وظيفية مدروسة، وتستقل كل واحدة منها بجدرانها ومدخلها الرئيسي عن بقية المرافق. حيث باستطاعة المسرح برمجة ثلاثة عروض فنية في نفس الوقت، دون أن يشوّش أي منها على الآخر. وقد صممت القاعات الثلاث كالتالي:
– القاعة الكبيرة وتتسع ل 1800 متفرج، وهي مخصصة للعروض الفنية الكبرى، بتقنيات عالية وتكنولوجيات متطورة، حيث أن سقف القاعة متحرك، والخشبة أيضا، وهي بعمق 70م متر، وبفتحة 40 متر على الصالة،.
– القاعة المتوسطة، وحددت طاقتها الاستيعابية في 600 مقعد، وهي مخصصة للعروض المسرحية بالأساس.
– القاعة الأصغر، وهي صغيرة مقارنة مع القاعة الكبيرة والمتوسطة، وتتسع ل 300 متفرج، وقد أعدّت للعروض الفنية التي تستلزم طاقة استيعابية محدودة، وللتسجيلات الصوتية والتجريب.
أشير هنا، إلى أنّ توفر المسارح العالمية على أكثر من قاعة، ليس بدخا أو تبذيرا للإمكانات، بل على العكس، هو تفكير علمي، مبني على الإبداع المحكم في التصميم الهندسي للمسارح، والتدبير الخلاق للتنوع في المرافق ووظيفيّتها، بما يتيح إمكانية دائمة لترشيد استعمالها بما يناسب طبيعة كل فرجة من حيث الصنف، وبما يحفظ لكل برنامج فني أو ثقافي ماهيّته من حيث الحجم وتنوع العلاقات المتوخاة مع المتلقي. لأنّ فلسفة الإبداع في تشييد المعالم الثقافية والفنية مبنية على مدى إتاحتها لإمكانات الإبداع في الإدارة والتسيير.
لذلك نجد “المسرح الكبير للدار البيضاء”، يتوفّر على مرافق عدة بالإضافة لقاعات العرض، من قبيل قاعات المحاضرات والاجتماعات، وورشات الإنجاز لمختلف حاجيات العروض، ورواق معارض، و ومقهيين من الطراز الرفيع، ومطعم مصنف، ومتاجر، وفسحات استراحة للعاملين فيه والمرتفقين.
كما أن محيط المسرح الخارجي معد ليستقبل عروض المهرجانات الموسيقية الكبرى، في الهواء الطلق، حيث يمكن التحكم في الخشبة الكبيرة، وتحريكها آليا لتصير خارجية، وتصبح بناية المسرح المهيبة، عبارة على خلفية لخشبة العرض، في إحالة على فرجات الأسرار والمعجزات التي سادت في العصور الوسطى بأوروبا، عندما كانت تتخذ من كبريات المعالم الدينية خلفيات لمشهديتها.
لا يمكن أن نتحدث عن ” المسرح الكبير للدار البيضاء ” بمعزل عن السياق العام لبناءه، ضمن إرادة سياسيّة للبلاد في تشييد جيل جديد من المسارح الكبيرة. وقد شرعت مصالح الدولة في تنزيل هذه الإرادة الطموحة، في أواخر القرن الماضي، ولكن بشكل محتشم، وكان ذلك بتشييد “المسرح الملكي” بمدينة مراكش، الّذي كان من المزمع أن يكون أوّل دار أوبرا بالمغرب، إلاّ أنه اليوم عبارة على بناء شامخ يصلح لكل شيء إلا لما أحدث من أجله، وهو قائم يشهد على فشل المصالح المحلية في إنجاح مشروعه الثقافي، وتدبير شؤونه الإدارية بما يليق بالقيمة الثقافية والحضارية لمراكش. تلاه، بعد ذلك، بناء “مسرح عبد الرحيم بوعبيد” في مدينة المحمدية، والذي أعتبره مفخرة النبوغ المعماري المغربي المخصص للمسرح، لكن الفشل في التدبير تكرر مرة أخرى، ليلحقه بلائحة المنشآت المسرحية الفاشلة، الشاهدة على انعدام الكفاءة لدى مسؤوليها.
[wp_ad_camp_4]وبعد تراجع دام لسنوات، في نسبة تشييد المسارح، عرف المغرب رجوعا ملحوظا لإحداث عشرات القاعات المتعددة التخصصات، والمسارح الصغرى والمتوسطة، على شكل مراكز ومركبات ثقافية ودور ثقافة، في مختلف المناطق المغربية، حتى النائية منها، وهي اليوم في حاجة ملحة لتأطير عام يجعلها تضطلع بدورها الحيوي، كاملا، في مجتمعنا.
عاد المغرب مؤخرا لتفعيل سياسة المسارح الكبرى، فمنحنا “مسرح محمد السادس” بمدينة وجدة، بطاقة استيعابية تتجاوز 1200 مقعد، وقد برز على الصعيد الوطني باعتباره أولى معالم الجيل الجديد من المسارح المغربية الكبيرة، واستشرف منه الجميع خيرا، وحمل إسم ملك البلاد، وها هو اليوم يشتغل دون رؤية تدبيرية واضحة، ولا تمويل لائق، وبلا توظيف محكم لمؤهلاته الهندسية. وقد أعلن مؤخرا عن الانتهاء من تجهيز “المسرح الكبير لمدينة طنجة”، وتقدّم الأشغال في مسرح مدينة القنيطرة، وهناك غيرها، وكلي أمل في أن يخيب الأمل مرة أخرى، أن تليق هذه المسارح بالقيمة الحضرية والحضارية للمدن التي أحدثت فيها.
وفي خضم كل ما ذكرته، فإنني أعتبر “المسرح الكبير للدار البيضاء”، ومعه “المسرح الكبير للرباط”، استثناءين غير مسبوقين في تاريخ تشييد المسارح بالمغرب، بحيث أنهما يحظيان بإشراف ملكي فعلي، سيجعل منهما بلا شك، نموذجين يحتذى بهما على الصعيد الوطني والإقليمي والدولي.
كما أنّ تدخل المؤسسة الملكية بشكل مباشر في الشؤون الثقافية ليس بجديد، فقد حدث من قبل عند تعتر تشييد المتاحف وتدبيرها، مما نجم عنه إحداث “المؤسسة الوطنية للمتاحف”، الّتي أثبتت جدواها، وحققت في سنوات قليلة نجاحات مهمة، وإشعاع دولي مشرِّف.
وأنا اليوم أسجل اعتزازي بمنشآتنا المسرحية الجديدة، وعلى رأسها “المسرح الكبير للدار لبيضاء” أدعو إلى تضافر جهود القوى المتدخلة في تدبير بِنْيات المجالين الثقافي والفني، لوضع خطة مستعجلة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، وذلك بعقد لقاءات دراسية مع أهم الخبرات الوطنية، للوقوف على مكامن الفشل في تدبير هذه المؤسسات، واقتراح حلول كفيلة بأن تستدرك الأمر في الوضع الحالي، وتستشرف تصورا لائقا بقيمة الإبداع الفني المغربي المشهود له بالجِدّة والجودة، ويتأهّل المجال لتطلعات المرحلة المقبلة، وما ستعرفه من طفرة نوعية.
قلتها من قبل وسأعيد قولها: بإمكان المغرب اليوم، بما يتوفر عليه من مسارح وبنيات استقبال ثقافية عديدة ومتنوعة، أن يكرّس لنموذج تنموي رائد في المجالين الثقافي والفني علي الصعيد القاري والدولي. إلا أن جيوب المقاومة، التي جبلت على امتهان الفشل وتكريس البؤس الثقافي، مازالت ترفض أن تقبل بمغرب الأنوار القادم لا محالة.
