أخبار وطنيةكتاب الرأي

تعليق على أمر قضائي يقضي بالحجز على ممتلكات جماعة ترابية..

الامر القضائي الصادر عن المحكمة الإدارية بمراكش؛ عدد: 2، الصادر بتاريخ: 15 يناير 2020، في الملف عدد: 2019/7103/69 القاضي برد دفوعات الجهة المحجوز عليها، والمتمثلة في جماعة بنجرير ومن بينها الدفع بمقتضيات المادة: 9 من قانون المالية لسنة 2020، وذلك ترجيحا لمقتضيات النص الخاص المنظمة لإجراءات تنفيذ الأحكام القضائية الواردة في قانون المسطرة المدنية على مقتضيات النص العام الواردة في المادة: 9 من قانون المالية لسنة 2020.
هذا، واحتراما لمبدأ عدم رجعية القوانين وسريان القاعدة القانونية من حيث الزمان؛ وتنفيذا لحكم قضائي ملزم؛ واستنادا على اجتهاد قضائي متواتر لمحكمة النقض القاضي بجواز الحجز على الأموال العمومية التي لا تتوقف عليها استمرارية المرفق العمومي؛ والتصريح تبعا لذلك بالمصادقة على الحجز لدى الغير المضروب على حساب جماعة بنجرير المحجوز عليها لدى قابض قباضة بنجرير المحجوز لديه. انتهى منطوق المر الصادر عن إدارية مراكش.
التعليق على هذا القرار يثير طرح مجموعة من الأسئلة كمحدد للنقاش الدائر بخصوص الحجز على الممتلكات والأموال العمومية، والتي يمكن حصرها فيما يلي:
إن سبب الجدال هو المادة 9 من قانون المالية لسنة 2020؛ لكن ما محتوى ومضمون هذه المادة المثيرة للجدل؟
تنص المادة 9 من السنة المالية 2020 على أنه “يتعين على الدائنين الحاملين لأحكام قضائية تنفيذية نهائية ضد الدولة أو الجماعات الترابية ومجموعاتها، ألا يطالبوا بالأداء إلا أمام مصالح الآمر بالصرف للإدارة العمومية أو الجماعات الترابية المعنية.
وفي حالة صدور حكم قضائي نهائي قابل للتنفيذ يلزم الدولة أو جماعة ترابية أو مجموعاتها بأداء مبلغ معين، يتعين الأمر بصرفه داخل أجل أقصاه 90 يوما ابتداء من تاريخ الإعذار بالتنفيذ في حدود الاعتمادات المالية المفتوحة بالميزانية لهذا الغرض، وفق مبادئ وقواعد المحاسبة العمومية، وإلا يتم الأداء تلقائيا من طرف المحاسب العمومي داخل الآجال المنصوص عليها بالأنظمة الجاري بها العمل في حالة تقاعس الآمر بالصرف عن الأداء بمجرد انصرام الأجل أعلاه.
وإذا أدرجت النفقة في اعتمادات تبين أنها غير كافية، يتم عندئذ تنفيذ الحكم القضائي عبر الآمر بصرف المبلغ المعين في حدود الاعتمادات المتوفرة بالميزانية، على أن يقوم الآمر بالصرف وجوبا بتوفير الاعتمادات اللازمة لأداء المبلغ المتبقي في ميزانيات السنوات اللاحقة وذلك في أجل أقصاه أربع سنوات وفق الشروط المشار إليها أعلاه، دون أن تخضع أموال وممتلكات الدولة والجماعات الترابية ومجموعاتها للحجز لهذه الغاية”. انتهى مضمون المادة 9.
فباسم من تصر العقليات الإدارية على العزوف والامتناع وعدم تنفيذ الأحكام القضائية الصادرة ضد الإدارة؟ لكن قبل هذا وذاك، نتساءل؛ من وما الذي أو التي؛ أوصل المؤسسات العمومية الى هذه الحالة؟ و “من” هو اسم موصول بمعنى الذي أو التي؛ تستعمل لذوات العقلاء وأولي العلم والأمر والنهي فقط، وذلك في جميع أحوالها ومعانيها. أما “ما” الاسم الموصول بمعنى الذي أو التي؛ فتستعمل لصفات العقلاء وذوات غير العاقل، فهي أعمّ وأشمل من “من”.
فمجالات الإصلاح لم تمس الجانب المهم والفاعل الأساسي في الادارة، أي العقليات الإدارية، وتفعيل طرق اختيار الكفاءات والأطر القادرة على تحمل المسؤولية، المسؤولية الشخصية المشخصة، بحيث يتحمل تبعات القرار الذي اتخذه أو القانون الذي دفع به. فمجالات الإصلاح أيضا يمكن تصورها في تفعيل الرقابة على الأشخاص وعلى الأنشطة والأعمال، التي تبقى مع ذلك مفرغة المحتوى في غياب إرادة حقيقية من لدن الجميع تنزع نحو التغيير.
من وما هو المسؤول أو المقصر؛ حتى نصل الى حالة الحجز على الممتلكات والمال العام من منقول وثابت؟ ما هو الفرق بين الخطأ المرفقي والخطأ الشخصي؟ وما هي حدود المسؤولية المرفقية والمسؤولية الشخصية؟
فالفصلان 79 و80 من قانون الالتزامات والعقود لازالا يفتحان المجال للخلط بين المسؤولية الشخصية والمسؤولية المرفقية. لكن السؤال الذي يبقى مطروحا هل وصل المجتمع المغربي إلى تشكيل جبهة موحدة تستطيع فرض هذه المساءلة الديمقراطية، أم أن الأمر لا يغدو مجرد شعار في الخطاب السياسي؟
فالمسؤولية كما يعرفها القانون هي أن يسأل الشخص ويتحمل تبعات تصرفاته ونتائجها، وبالتالي فإن المسؤولية الإدارية عن الخطأ أو المخاطر التي يتسبب فيها المرفق العام، هي أحدى الآليات التي بموجبها تلزم الأشخاص العموميين وتجبرهم على تحمل مسؤولية أعمالهم وتصرفاتهم التي تتولد عنها أضرار للغير ينبغي تعويضها طبقا للقوانين والأنظمة الجاري بها العمل.
فالخطأ الشخصي هو الفعل الصادر عن المسئول، ونزواته والذي يمكن تحديده من خلال عدة معايير منها الغاية أو المصلحة عنصر العمد؛ أي حبه فيه، جراء ذلك الفعل. فالفصل 110 من القانون الجنائي المغربي ينصل على أن: “الجريمة هي عمل أو امتناع عن عمل مخالف للقانون الجنائي ومعاقب عليه بمقتضاه.” والذي يمكن تمييزه وينسب إلى الموظف الذي يكون في هذه الحالة قد قام بأفعال لا تمت بمصلحة المرفق بأية صلة، ونتجت عنها أضرار للغير فيكون ملزما بجبر الضرر من ماله الخاص لكونه هو الفاعل كما عرفه الفقه والقضاء المغربي.
أما الخطأ المرفقي فهو إخلال الإدارة او المؤسسة العمومية بمجموعة من الالتزامات والاجراءات المفروض اتخاذها من قبل أو الملقاة على عاتقها إما بواسطة او من طرف أحد العاملين التابعين لها أو نتيجة تنظيم المرفق نفسه؛ كصور الاعتداء المادي في نزع الملكية من أجل المنفعة العامة مثلا.
وبالرجوع إلى مقتضيات الفصلين 79 و80 من قانون الالتزامات والعقود المغربي؛ فإن العلاقة بين الخطأ الشخصي والخطأ المرفقي يحكمها ويحددها ما يلي في الفصل 79 نجد: “الدولة والبلديات مسؤولة عن الأضرار الناتجة مباشرة عن تسيير إدارتها وعن الأخطاء المصلحية لمستخدميها” وبالرجوع إلى الفصل 80 نجد أن المشرع قد حسم الأمر حيث قرر في هذا الفصل أنه لا يمكن مساءلة الدولة عن أخطاء مستخدميها إلا في حالة إعسار الموظفين المسؤولين عنها.
وبالرجوع الى نص الدستور المغربي للعام 2011 نجد على أن نظام الحكم في المغرب، نظام ملكية دستورية، ديمقراطية برلمانية واجتماعية، وأن النظام الدستوري للمملكة يقوم على أساس فصل السلطات وتوازنها وتعاونها، كما يقوم على الديمقراطية المواطنة والتشاركية، وعلى مبادئ الحكامة الجيدة، وربط المسؤولية بالمحاسبة.
وجاء في نص الخطاب الملكي السامي بمناسبة الذكرى 17 لعيد العرش يوم السبت 30 يوليوز 2016: “إن تمثيل المواطنين في مختلف المؤسسات والهيئات، أمانة جسيمة. فهي تتطلب الصدق والمسؤولية، والحرص على خدمة المواطن، وجعلها فوق أي اعتبار. وكما أكدنا ذلك عدة مرات، فإن القيام بالمسؤولية، يتطلب من الجميع الالتزام بالمفهوم الجديد للسلطة، الذي أطلقناه منذ أن تولينا العرش. ومفهومنا للسلطة هو مذهب في الحكم، لا يقتصر، كما يعتقد البعض، على الولاة والعمال والإدارة الترابية. وإنما يهم كل من له سلطة، سواء كان منتخبا، أو يمارس مسؤولية عمومية، كيفما كان نوعها. والمفهوم الجديد للسلطة يعني المساءلة والمحاسبة، التي تتم عبر آليات الضبط والمراقبة، وتطبيق القانون. وبالنسبة للمنتخبين فإن ذلك يتم أيضا، عن طريق الانتخاب، وكسب ثقة المواطنين.” انتهى كلام جلالة الملك.
وحينما نتحدث عن الرقابة، فإن ذلك يحيل إلى مجموعة عمليات تقنية يقوم بها أشخاص أنيطت بهم هذه المهمة، كالرقابة الإدارية التي تقوم بها المصالح التابعة لوزارة المالية، والوصاية التي تقوم بها وزارة الداخلية على الجماعات الترابية، والمراقبة التسلسلية على المستوى الافقي والعمودي على كل مرفق ورقابة الخزينة العامة وأيضا الرقابة القضائية إلى غير ذلك من أنواع الرقابة المنغلقة، التي تصب في معنى الشرطة والتفتيش والتأكد، ومقارنة المنجزات المسطرة في الميزانية، أي رقابة تقوم على لغة الأرقام، والتي كثيرا ما ترتبط بعنصر الزجر، في حين المراقبة إنما تعني الفحص والتدقيق؛ أي التقويم والتصحيح.
التعليق يستوجب منا طرح التساؤل حول ما هو دور الوكالة القضائية في حماية المال العام من خلال الدفاع عن الدولة كطرف في النزاع؟ قضايا شؤون الدولة المغربية؛ أي القضايا التي تكون فيها احدى مؤسسات الدولة طرفًا في الخصومة أو خارج عن الخصومة؛ حيث هناك عدة أطراف تضطلع بهذا التدبير. وفي هذا الإطار، أناط المشرع المغربي من خلال ظهير 6 مارس 1971 بشأن إعادة تنظيم وظيفة “العون القضائي للدولة الشريفة”، بما أصبح يصطلح عليه بالوكيل القضائي للمملكة، مهمة الدفاع القضائي عن الدولة، وقد استثنى الظهير السالف الذكر المجالات المتعلقة بالضرائب وأملاك الدولة من اختصاصات الوكالة القضائية للمملكة. كما نص الفصل 737 من قانون المسطرة المدنية على أن الدعوى ترفع ضد:
• الدولة، في شخص رئيس الحكومة وله أن يكلف بتمثيله الوزير المختص عند الاقتضاء.
• الخزينة، في شخص الخازن العام.
• الجماعات المحلية، في شخص العامل بالنسبة للعمالات والأقاليم وفي شخص رئيس المجلس الجماعي بالنسبة للجماعات.
• المؤسسات العمومية، في شخص ممثلها القانوني.
إلا أنه حيادا على هذه المقتضيات، أعطت بعض النصوص القانونية الخاصة الصفة في التمثيل القانوني وبالتالي الدفاع القضائي لإدارات أخرى، وذلك في مجالات:
• الملك العام للدولة، لوزير التجهيز؛
• الملك الخاص للدولة، مدير أملاك الدولة؛
• المياه والغابات، للمندوب السامي للمياه والغابات؛
• الأوقاف، لوزير الأوقاف والشؤون الإسلامية؛
• الضرائب، المدير العام للضرائب.
مما يكون معه وجيها طرح السؤال: الوكالة القضائية الى أين؟
فقد أدان المجلس الأعلى للحسابات طريقة عمل هذه المؤسسة من خلال إنجاز مهمة تقييم تدبير المنازعات القضائية، على مستوى الغرفة الأولى للمجلس الأعلى للحسابات منتهجا خطة عمل قامت على عناصر ومحددات على الشكل التالي:
– استراتيجية تدبير منازعات الدولة؛
– تشخيص واقع المنازعات القضائية للدولة؛
– أهم معيقات تدبير المنازعات القضائية للدولة؛
– تقييم تدبير المنازعات القضائية للدولة.
فقد ورد في تقرير المجلس الاعلى للحسابات ما يلي: “في اطار مسطرة نزع الملكية من أجل المنفعة العامة وبالاحتلال المؤقت، ونقل ملكية العقار موضوع نزع الملكية وكذا بتحديد تعويض مالك العقار.
فإذا ما تمت الأمور على هذا النحو، فإنه في آخر مطاف المسطرتين الإدارية والقضائية، تتملك الدولة العقار المعني مقابل تعويض معقول تؤطره ضوابط الفصل 63 من القانون. إلا أنه في بعض الحالات تلجأ الإدارة إلى وضع يدها على العقار قبل استكمال الشروط المحددة قانونا، الأمر الذي يترتب عنه نشوب نزاع قضائي بين صاحب العقار وبين الإدارة التي وضعت يدها على العقار، وبالتالي تكون الدولة، بصفة عامة، طرفا في دعوتين قضائيتين بخصوص نفس العقار؛ دعوى نزع الملكية ودعوى الاعتداء المادي.
ونظرا لكون الدعوى المتعلقة بنزع الملكية تباشر من طرف مديرية أملاك الدولة، فيما القضية المتعلقة بالاعتداء المادي تدبر من طرف الإدارة المعنية والوكالة القضائية للمملكة، فقد وقف المجلس الأعلى للحسابات أثناء هذه المهمة على ضعف التنسيق بين الإدارة المعنية والوكالة القضائية للمملكة من جهة، ومديرية أملاك الدولة من جهة أخرى. إذ يحدث أن أحد هذين الطرفين، قد لا يكون على دراية بالقضية الأخرى المدبرة من الطرف الآخر، خاصة في القضايا المتعلقة بنزع الملكية والتي تكون فيها مديرية أملاك الدولة قد باشرت بصددها المساطر القانونية بما في ذلك استصدار حكم نقل الملكية. لكن بالموازاة مع هذا، يقع أحيانا ان يرفع المالك الأصلي للعقار، دعوى تهدف إلى تعويضه جراء الاعتداء المادي على عقاره. ففي حالة ما إذا حصل المعني بالأمر على حكم يقر بوجود الاعتداء المادي، نكون أمام وضع يتميز بوجود حكمين يُقران تعويضا.”
وبالتالي حرمان الدولة من الاستفادة من مزايا قانون نزع الملكية للمنفعة العامة. هذا، وحتى تكون هذه المؤسسة أكثر نجاعة في أداء مهامها، يجب أن تلحق بالسلطة القضائية، عوض تبعيتها لسلطة وزارة المالية.
لكن ما هي صور التواطؤ في غض الطرف والتقاعس في الدفاع والمرافعة عن المال العام؟
الشيء الغائب عن الباحث في هذا المجال؛ والذي يقف عند حدود المستوى الظاهري للأشياء، هو أنه يحصل أحيانا إما بسوء أو حسن نية بعض المشاكل التي تضيع على الدولة أو الجماعات الترابية ومجموعاتها؛ عدة فرص في الدفاع عن حقوقها؛ كتعمد غياب ممثلي الإدارة وعدم حضور جلسات الصلح والمواجهة التي يعقدها القاضي الاداري، أو جلسات المرافعة كأن يلزم المحامي الصمت والسكوت وعدم إثارة بعض القضايا الجوهرية والحاسمة على الرغم من جديتها وخطورتها وآثارها السلبية إذا لم تؤخذ بعين الاعتبار، والتي كان من شأنها تنوير العدالة، إذا ما أثيرت أمام القاضي؛ كما هو الشأن للحالة موضوع الدراسة؛ التي يتبين من خلال قراءة في حيثيات الحكم انه لم يثرها لتأخذ بها المحكمة او لا تأخذ بها.
كما أنه أحيانا يحصل التلاعب في التبليغات في إطار نوع من التواطؤ حيث يغيب ممثل الدولة أو الجماعات الترابية ومجموعاتها عن المرافعة، كما هو الشأن في حالات القرارات الجبائية والرسوم المفروضة والمتعلقة بالتجزيئيات العقارية والتي تصل مبالغها الملايير من السنتيمات. مما يضيع عليها مداخيل مهمة تتجاوز بكثير مبالغ أموال الاحكام الصادرة ضدها والتي غالبا ما تكون موضوع أوامر بالحجز.
وبالتالي فإن تحوير النقاش إفراغه من محتواه الجدي والمهم الذي يجب ان ينصب عليه؛ أصبح التركيز والحماسة تصب في اتجاه مفاهيم تحقير المقررات القضائية والمس باستقلالية القضاء وضرب المقتضيات الدستورية وغيرها من المفاهيم.
لكن ما هو الدور الذي يلعبه الغير، الخارج عن الخصومة عندما تكون الدولة طرفا في النزاع؟ ما هو الدور الذي تلعبه أقسام الشؤون القانونية والمنازعات القضائية بمختلف المؤسسات العمومية والجماعات الترابية في الدفاع عن مصالح الدولة موضوع دعوى قضائية؟ هل هناك مرشد أو موجه قانوني لمساعدة رئيس الادارة في اتخاذ القرارات التي تهم تدبير شؤون مؤسسته؟ ما هي الآثار الاجتماعية والاقتصادية والنفسية وحتى السياسية أحيانا جراء إصدار حكم قضائي بإدانة الدولة أو الحجز على ممتلكاته؟ ما هي حدود تحقير المقررات القضائية أو ازدراء القضاء؟
مثار الجدل هو قديم، وباستحضار التاريخ نعرف أن ظهور القضاء الاداري في فرنسا كان نتيجة للأفكار التي جاءت بها الثورة الفرنسية في العام 1789 والتي تقوم على أساس مبدأ الفصل بين السلطات ومن مقتضياته منع المحاكم القضائية القائمة آنذاك من البث والفصل في المنازعات الإدارية حفاظا على استقلالية الإدارة تجاه السلطة القضائية. وباستحضار كذلك عملية الأشغال التي كانت تقوم بها بلدية باريس؛ والتي تسببت في أضرار للغير؛ حيث طرح السؤال آنذاك إلى من يلجأ المتضرر في هذه الحالة؟
“لقد ميز العمل القضائي بين جريمة تحقير مقرر قضائي كما هي موضحة عناصرها وشروط قيامها في المادة 266 من القانون الجنائي، وواقعة الامتناع عن التنفيذ، واعتبر أن مجرد الامتناع عن التنفيذ لا ينهض مبررا كافيا للقول بقيام الجريمة، طالما لم يصدر عن المنفذ عليه أي سلوك، أو قول، أو فعل، من شأنه المساس بالاحترام الواجب للقضاء وسلطته . حيث جاء في عدة قرارات للمجلس الأعلى ما يلي: “إن مقتضيات الفصل 266 من القانون الجنائي لا يمكن تطبيقها إلا في نطاق ما نص عليه الفصل المذكور فيما يتعلق بتحقير مقررات قضائية أي المساس بالاحترام الواجب للقضاء وسلطته. كما ان مجرد الامتناع عن التنفيذ لا يشكل عنصرا من عناصر جنحة تحقير مقررات قضائية”. وفي نفس الاتجاه جاء في قرار للمجلس الأعلى: “إن مجرد تعرض المنفذ عليه على التنفيذ لا يكفي لقيام جنحة تحقير مقرر قضائي”. وفي نفس الاتجاه ذهب قرار آخر للمجلس الأعلى جاء فيه انه: “لا يكفي لقيام جريمة تحقير مقرر قضائي القول بأن محضر التنفيذ حرر بصورة قانونية وتضمن رفض المتهم الامتثال لما جاء فيه من أمر القضاء، وإنما يتعين توضيح الأفعال والأقوال التي قصد بها تحقير المقرر القضائي”. وفي قرار آخر: “مجرد الامتناع عن تنفيذ حكم لا يشكل عناصر الفصل 266 من القانون الجنائي المتعلق بتحقير مقرر قضائي، الذي يقتضي أن تصدر عن الجاني أقوال أو أفعال من شأنها المساس بحرمة القضاء”.
هذا، وتجدر الإشارة إلى أنه بعد مصادقة المملكة المغربية على اتفاقية نيويورك الدولية المتعلقة بالحقوق الأساسية والمدنية المؤرخة في16 ديسمبر 1966 التي نصت في فصلها الحادي عشر على أنه “لا يجوز سجن إنسان على أساس عدم قدرته على الوفاء بالتزام تعاقدي فقط”، سيصبح أمر إعطاء الامتناع عن تنفيذ الأحكام القضائية بعدا زجريا أكثر صعوبة، طالما أن هذا الفعل لا يشكل مظهرا من مظاهر تحقير المقررات القضائية، وأن محضر الامتناع، الذي يحرره المفوض القضائي، لا يشكل سندا، للمطالبة بتطبيق الإكراه البدني”. عن الاستاذ عبد اللطيف آيت بوجبير، محام بهيئة الدار البيضاء تحت عنوان: “تحقير المقررات القضائية بين القانون الجنائي والعمل القضائي” منشور بجريدة المساء بتاريخ: 02 يونيو سنة 2010.
فهل امتناع الادارة او المؤسسات العمومية تنفيذ او الامتثال للأحكام القضائية فيه تحقيرا لها وحطا من مكانتها واستقلاليتها؟
في الصراحة؛ نجد أحيانا أن المشكل يتجاوز هذه الحساسية بكثير؛ حيث أن من شأن التنفيذ الذي يجد صعوبته ومبرراته في الكثير من الحقائق التي قد تغيب عن الانسان او المواطن العادي الذي يجهل خفايا الادارة والمؤسسات العمومية وطق اشتغالها والمتمثلة فيما يلي:
إن من شأن عرقلة مرفق الأجور والأداءات ومختلف المصاريف اليومية؛ خاصة الموظفين والمستخدمين، خلق مشكل اجتماعي أكبر ويفوق بكثير مجرد الامتناع عن تنفيذ حكم او امر قضائي؛ إن الامر يتعلق بالخبز وبعائلات وبمورد أسر وشريحة كبرى من المجتمع. وعرقلة حقيقية لمرافق حيوية وأمنية؛ كأداء مستحقات الإنارة والانارة العمومية وغيرها… أي إصابة مرافق الادارة بالشلل التام جراء تنفيذ مقرر قضائي يقضي بالحجز على آليات ومالية المؤسسات والجماعات الترابية قد نجهل حيثياته.
لنفرض أن قرار الحجز يطال آليات ومعدات جماعة ترابية او مؤسسة عمومية معينة؛ ونأخذ على سبيل المثال: سيارة الاسعاف التابعة لجماعة او مستشفى، فالمفروض انها مرفق في استمرارية وعمل دؤوب لنقل المرضى والحوامل ومختلف الحالات المستعجلة. أو آليات جمع النفايات والأزبال بالأزقة والشوارع ومخلفات المنازل أو سيارات الخدمة للتنقل من أجل المصلحة؛ ربما النتائج لن يصمد امامها مجرد القول بتحقير مقررات القضاء، او المس باستقلالية القاضي او خرق الدستور. لا لشيء فقط لان مصلحة المواطنات والموطنين أو من مصلحة المؤسسات.
نحن نعرف أن الميزانية هي وثيقة مالية تمتد على مدى سنة كاملة بكل مؤسسة او جماعة تتضمن تجسيدا تقديريا للمعلومات لمخطط عمل على المدى القصير الذي هو سنة أي الخطوط العريضة لتدخلات النخبة في المجال التنموي لرسم السياسات العامة المحلية من خلال تقييد وتضمين الميزانية البرامج الآنية حتى تصبح اداة للتدبير وتجسيدها على ارض الواقع تحصر خلال شهر ديسمبر؛ بعدما كانت تحصر خلال شهر يوليوز من كل سنة. والتي تتضمن وجوبا:
– مدى التوازن الحاصل في قسمي الميزانية، فالقانون يشترط التوازن في قسمي الميزانية، إذ لا يمكن أن تقدم الميزانية العامة للدولة في إطار سياسة التمويل بالعجز وأيضا ميزانية الجماعات المحلية في إطار التمويل بالعجز.
– التأكد من تضمين الميزانية النفقات الإجبارية والتي حددها القانون في إطار الفصل 22 من نفس الظهير، كالنفقات المتعلقة بمصالح الجماعة، والمصالح الوطنية والنفقات المتعلقة بحقوق الغير كالدائنين والموظفين والموردين والتي يمكن ان يهملها الرئيس ويستبدلها بنفقات ثانوية تحت ضغط زملائه من نفس الحزب أو التوجه أو المصالح الشخصية على حساب مصالح الجماعة.
لكن نسبة هذه النفقات العامة غالبا ما تفوق الحد الأقصى، وبالتالي تصادر الجماعات المحلية في حقها وحريتها في تضمين الميزانية نفقات مشاريع استثمارية وغيرها.
لكن لنفرض انه بعد حصر فصول الميزانية صدر حكم قضائي يلزم الادارة ما بعد شعر يناير مثلا؟ هل من المنطقي الحجز على ممتلكات ومالية الادارة والمؤسسات؟ رؤية طرح مقبولة على مستوى التحليل والبناء القانوني ومن وجهة نظر قضائية، لربما مغلوطة لأنها تغيب جوانب أساسية على مستوى مبادئ ومتطلبات المرفق العام في الاستمرارية.
من خلال دراسة المستند “واستنادا على اجتهاد قضائي متواتر لمحكمة النقض القاضي بجواز الحجز على الأموال العمومية التي لا تتوقف عليها استمرارية المرفق العمومي” يمكن القول انه تعليل غير موفق وغير دامغ؛ بل ان من شان الحجز ان يؤدي الى الشلل والتوقف التام لأنشطة الجماعة؛ لكونه مصدر أجرة الموظفين العاملين بالجماعة والسير العادي للجماعة الترابية؛ موضوع الامر القضائي. لسبب بسيط هو أن العمل والنشاط الاداري يتطلب العنصر البشري والمادي المرافق له.
‏ صحيح ان الأمن القضائي والقانوني هو العمل على تأمين مختلف الضمانات لتعرف القوانين والأنظمة الجاري بها العمل في بلد ما مسارات ومسلسلات للتطبيق والتنفيذ؛ لكن هل نطمح إلى تحقيق القانون أم إلى تحقيق العدالة؟
صحيح كذلك أن مؤسسة الوكيل القضائي للمملكة والمحامي يلتزمان ببدل عناية كبيرة وفائقة جدا؛ وغير ملزمان بتحقيق نتيجة. لكنها جدلية اعتماد متبادلة في معادلة احترام الدستور واستقلالية القضاء من جهة؛ وتغليب متطلبات الصالح العام وضرورة استمرارية المرفق العام من جهة ثانية. لكن أيضا في إطار ربط المسئولية بالمحاسبة وتخليق الحياة العامة وتنمية الوازع الخلقي في المورد البشري للمرفق و الوازع التربوي في الإدارة العمومية واحترام حقيقي للقوانين والأنظمة الجاري بها العمل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى