أخبار وطنيةسياسيةكتاب الرأي

من يتخذ القرارات المصيرية في السياسة..؟؟؟

بقلم: الدكتور عبدالله شنفار

ما هي مراكز القوى الأساسية في عملية صنع القرار والتي تمسك بخيوط الشأن السياسي الجهوي والإقليمي والمحلي؟ وهل هذه المراكز متعددة أم أنها مركزة في عدد قليل يهمن على مجمل توجهات السياسات العامة والعمومية الجهوية والاقليمية والمحلية؟
تطلبت الإجابة على هذه الاسئلة، من بعض الباحثين دراسة قرارات تخص بعض القطاعات والمجالات الاجتماعية كالصحة، التعليم التعمير، البنيات التحتية، التجهيزات، أي البنيات الوطنية والجهوية المحلية.
ان الباحثين في مجال حقل علم السياسة مثل (روبرت دال) من خلال كتابه من يحكم و(سي رايت ملز) من خلال بحثه حول نخبة السلطة من يتخذ القرارات المصيرية في السياسة الأميركية؟ سنة 1956. و(هابر ماس) من خلال كتاباته؛ نظرية الفعل التواصلي. وماكس فيبر من خلال كتابه رجل العلم ورجل السياسة وغيرهم؛ حددوا ثلاث قوى تتحكم في القرار السياسي بأمريكا من خلال ما توصلوا اليه من ابحاث في هذا الشأن وهي كالتالي:
1. الفئة الأولى هي: مجموعة قليلة أو أقلية من السياسيين المحنكين والمحترفين.
2. الفئة الثانية هي: كبار ضباط الجيش.
3. الفئة الثالثة وهي: مديري وكبار ورؤساء الشركات الكبرى أو اللوبي المؤثر في عملية صنع القرار.
هذه الأبحاث أفضت إلى وجود ثلاث نظريات تتجاذب مراكز القرار وهي:
النظرية الأولى: وتقول بالتعددية، أي انه ليس هناك مراكز قوى محددة مهيمنة على سلطة اتخاذ القرار، بل هذه السلطة موزعة بين مراكز متعددة في جدلية الاعتماد المتبادل والتداول.
النظرية الثانية: وتذهب إلى توظيف نخبة القوة حسب عالم الاجتماع ميلز، وتعني أن سلطة القرار مركزة بين أيدي نخبة محددة استطاعت بلورة فكرة أو دستور وفرض هذه الفلسفة على المجمع مع العمل على تأمين عمل جميع القوى بداخله.
النظرية الثالثة: ترى أن سلطة القرار تهيمن عليه الطبقة الحاكمة المسيطرة، وتجليات ومظاهر هذه السيطرة تكون إما مجهولة سياسيا أو مجهولة اجتماعيا، للتأثير في عملية صنع القرار للتعبير عن مصالحها وتشمل الأحزاب السياسية وجماعات الضغط الأخرى.
فالأحزاب السياسية تلجا في أساليبها وحملاتها الانتخابية إلى توظيف عدة وسائل للإقناع بأفكارها وفلسفتها أو برامجها، وبصفة عامة تتضمن تأييدا مطلقا وتبني لمختلف المطالب والمشاكل والقواعد الاجتماعية أثناء حملات التنافس لكي تفوز في الانتخابات، وبالتالي تصل الى مراكز القرار وتمارس الحكم.
أما جماعات الضغط الأخرى وتعمل في الخفاء”in off “وفي استقلالية تامة تتولى مهمة الدفاع عن مصالح اقتصادية أو اجتماعية محددة وتمارس عملية الضغط والتأثير في مسارات القرارات على مصادر إنتاج القرار السياسي أي الضغط على النخبة الحاكمة، من خلال جمع التبرعات المالية لفائدة حزب سياسي معين ومساعدته في حملات الدعاية، أو الترافع أمام الهيئات القضائية أومن خلال النقابات والجمعيات المهنية للتأثير في اتجاهات وتوجهات القرار السياسي من أجل الاستقطاب الاجتماعي؛ او ما يطلق عليه شبكة العلاقات بين الفاعلين وذوي المصالح التي اصبحت كموضوع ذي اهمية يدرس في مجال السياسات العامة.
اما “روبيرت الان دال” فقد قام سنة1961 بدراسة حالة مدينة صغيرة تسمى “نيوهافن” بولاية كونيكتيكت” بالولايات المتحدة الأمريكية حول القوى السياسية والاجتماعية المحلية المؤثرة في السياسات العامة المحلية والقرار المحلي على مستوى هذه المدينة فتوصل من خلال رصد تطور هذه القوى أنها خضعت لسيطرة عدد قليل من الأسر الغنية، التي استحوذت على سلطة القرار المحلي بهذه المدينة، وذلك خلال القرن19. إلا انه لاحظ أنه خلال القرن20 وجود عدة تحولات سياسية واقتصادية واجتماعية ناتجة عن النمو السكاني ومستويات التحضر والإنتاج والتصنيع وتنامي مستويات الوعي في صفوف المهاجرين أدت إلى إعادة توزيع للقوة وسلطة النفوذ وبروز قوى أخرى تساهم في بلورة القرار المحلي إلى جانب العائلات الغنية التي كانت تحتكر السلطة، وهذه القوى تجلت في جماعات المهاجرين ونقابات العمال والطبقات الوسطى وغيرها التي أصبح لها دورا فاعلا في تدبير الشأن العام المحلي وبالتالي استنتج روبرت دال على انه ليس هناك أية فئة أو شخص محروم من سلطة القرار المحلي فكل فرد أو فئة لها وزن داخل المدينة.
هذا ما يمكن أن نسميه السيطرة المجهولة على المستوى السياسي والسيطرة المجهولة على المستوى الاجتماعي، بمعنى أن الاقتصاد السياسي للدول الرأسمالية في شكله يعطي الانطباع انه ديمقراطي ومنفتح على الجميع وللجميع، القادر على دخول المخاطرة ويتيح اللحاق لمراكز القوة والجماعات على التنافسية والمزيد من الاستقطاب.
أما على المستوى الاجتماعي وحتى إن لم تكن هناك مساواة في الوصول إلى القمة، إلا أن غير المحظوظين تبقى لهم القدرة على الحشد والتعبئة للوصول على الأقل و الحصول، وتلبية بعض مطالبهم الاجتماعية في غياب العنف وسيادة الاستقرار، بحيث إن عدو المجتمعات الرأسمالية يبقى هو التناحر إلى مالا نهاية أو سيادة العنف الاجتماعي والسياسي وهذا ما لا تسمح به هذه المجتمعات، بحيث تلجا إلى عدم تهميش رأي الأقلية وتذويب ردود أفعالها من خلال الحوار وخلق التسويات السياسية بين الأغلبية والأقلية، وبالتالي محاولة تجاوز الصورة النمطية المزيفة للسياسة الرأسمالية التي تستبعد الطبقات الغير قادرة على اللحاق بمراكز صنع القرار.
وعلى الرغم من الانتقادات الموجهة لرؤية الطرح القائلة بالتعددية وإشراك الكل في سلطة اتخاذ القرار والمتمثلة في كون الطبقات الغنية من رجال أعمال وساسة محنكين والطبقات المتوسطة تبقى تتوفر على كامل الحظوظ للاستيلاء على سلطة القرار من خلال الوصول إلى الحكم فان طبقات أخرى لا تستطيع ذلك لعدم توفرها على سلطة المال المتوفرة لدى رجال الأعمال التي بواسطتها يستطيعون الحشد والتعبئة من خلال عملية التمويل وحتى رجال الأعمال فهم لا يساندون إلا الجمعيات والهيئات السياسية التي تتبنى مصالحهم وأفكارهم والتي تؤيد قضاياهم.
إلا أنه مع ذلك يمكن القول إن التنافس يبقى شيئا مشروعا من اجل اكتساب القوة والوصول إلى الحكم وإنتاج القرار أو التأثير في مصادر إنتاجه بين كل المكونات السياسية والاجتماعية في الدولة الرأسمالية التي تفتح المجال للكل من اجل التنافس على قدم المساواة والسماح بالتصارع في إطار ديمقراطي من اجل تحقيق الأهداف والوصول إلى عملية صنع القرار ورسم السياسات العامة.
وهكذا، نستنتج أن روبرت دال عالم السياسة الأمريكي، استطاع من خلال دراسة حالة مدينة “نيوهافن” أن يؤسس لوجود سياسة عامة محلية ووجود قرار محلي يشارك فيه الجميع. وبالتالي الكل مشارك ولا وجود لفئة او شخص محروم من التأثير في عملية صنع القرار وممارسة القوة الموزعة بشكل منطقي بين جميع القوى، حيث ان القرار بهذا الشكل لا يشكل جوهرا مستقلا بذاته بل تتحكم فيه الطبقة الحاكمة المهيمنة على جميع القطاعات والمستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، و يجد نوعا من التوازن بين جميع القوى داخل المجتمع المحلي الذي يتولى تدبير شؤونه العامة المحلية بشكل مستقل عن السياسة العامة المركزية.
أما في فرنسا فان النقاش حول المحلي، قد جاء نتيجة عودة الوعي بحدود المقتربات القطاعية في الاستجابة للطلبات والمشاكل والقضايا الاجتماعية وتحقيق المشاريع التنموية بالإضافة إلى الاختلالات الناتجة عن أزمة نمط التدبير القطاعي الناتجة عن تناقض وتعارض في السياسات العامة على المستوى الوطني، وكذا الاختلالات الترابية والتحولات المجالية التي أدت إلي ضرورة إعادة النظر في مفهوم الدولة ودورها في التنمية وكذا وظائفها التقليدية.
فالتراكم الرأسمالي والتضخم التنموي الذي وصلت اليه الدول الرأسمالية أصبح يفرض عليها البحث على توازنات بين المركزي والمحلي سواء على المستوى الاداري؛ حيث تم اللجوء إلي توسيع مجال السلطات المحلية وتخويلها اختصاصات من اجل تجاوز ازمة الدولة المركزية وفك الارتباط في الازمة؛ اذ انه منذ الثمانيات من القرن العشرين عرفت سياسة اللامركزية بفرنسا تحولا حيث اصبحت المدن والجهات والأقاليم أقطابا للتنمية المجلية والنقاش الدائر حاليا حول إلغاء مجالس العمالات التي اعتبرت كالنعامة التي لا تفتح أي مجال للتطور.
هذا التحول بطبيعة الحال لم يكن سوى نتاج للباحث والمحلل الأكاديمي الذي يزود صانعي السياسات العامة المحلية بالتأطير النظري والمنهجي، بالاهتمام والعمل على المحلي والنخب المحلية ومدى قدرتها على بلورة قرارات وسياسات عامة محلية وكذا العمل على الجهوي كي يشكل إطارا لبناء مرجعية محلية كشرط أساسي للبنيات القطاعية. وبالتالي استطاع علماء الاجتماع والسياسة في فرنسا بلورة مفاهيم ومناهج نظرية وعلمية تطبيقية شكلت إطارا ومرجعية للعمل على الجهوي والمحلي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى