السلطة التقديرية في الفعل الاداري المغربي من خلال آليات الدوريات والمناشير والمذكرات المصلحية..
بقلم : الدكتور عبدالله شنفار
حتى إذا سلمنا بوجود وتحديد إطار عام للتحديث وللتغيير والاصلاح الاداري، إلا أن المشكل بالمغرب ليس هو الضعف المادي، ولكنه مشكل عقليات بالأساس وسوء التوزيع وعدم القدرة على الإبقاء أو على اختيار الكفاءات الإدارية المناسبة والمختصة لتشغل المناصب المناسبة.
من خلال استئثار الجهاز الإداري بوظائف تكنوقراطية، فهو يستطيع التحكم في جميع السياسات داخل البلاد، وبحكم هذه الوظائف الروتينية، فإن الإدارة من خلال العقليات المكونة لها؛ تستطيع الإفلات من كل رقابة، مما يؤدي إلى تقليص سلطة المساءلة الديمقراطية، بحيث حتى حرية وقدرة البرلمان تختفي تجاه رجل الإدارة في الكثير من الأحيان. لنرى أولا طبيعة هذه الوظائف التقنية المخولة للإدارة والمؤسسات العمومية، لنكتشف كيف يمكن تصور مخالفة القوانين والأنظمة، وكيف يضغط الفساد على العقليات الإدارية.
تستأثر الإدارة في جميع الانظمة السياسية بعدة وظائف، كالتحضير والاعداد والتنفيذ والإعلام والرقابة. فهي جهاز تحضير حيث تستحوذ على مختلف المعلومات لمظاهر الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، على مستوى الفرد والجماعة. وبالتالي فإنها تشكل المصدر الرئيسي في تحضير القرارات التي تزمع اتخاذها السلطات السياسية.
وهنا يكمن عيب العقليات الإدارية، حيث لا تقدم في الغالب إلا حلا أو خيارا مرتجلا واحدا، مما يقلص سلطة اتخاذ القرار في عملية المفاضلة. وهذا الوضع ناتج عن الاكتفاء بتتبع تطور الأحداث وإدارة اليومي، بما في ذلك إدارة الأزمات، دون التطلع إلى وضع استراتيجية مستقبلية.
صحيح ان هناك وجود فعلي للتخطيط والبرامج، لكن في نفس الوقت منعدم الفعالية والانسجام؛ من جراء غياب استراتيجية واضحة الأهداف والمعالم تستقطب كل التخصصات التقنية والفنية وتنير الطريق للتوجهات السياسية، والتي غالبا ما تتم تحت تأثير وغضب الشارع او ضغط المطالب الاجتماعية الشعبية؛ او ضغوط انتخابية أو ضغوط مصالح شخصية أو الزملاء في نفس الحزب … إلى غير ذلك.
وهكذا فالإدارة بحكم قربها من التحكم في تدبير شؤون الناس؛ يمكنها أن تتوقع أحداث المستقبل، مما يجعل منها ضابطا وحكما؛ لسان حاله يقول: “اتخذ القرار الذي ترغب فيه؛ لكن ليس على حساب خلق أزمة مالية أو زيادة تحملات وأعباء غير مضمونة مستقبلا”.
كما تعود إليها سلطة تنفيذ هذا القرار المتخذ مرة ثانية. فالعقليات الإدارية بحكم هذه الوظائف تستطيع تقييم الوسائل ومراقبتها والتحكم فيها، وبالتالي ترى ما هو ملائم فتلجأ تارة إلى التنفيذ أو التعطيل أو التماطل، أو حتى التعديل والتغيير تارة أخرى، فيفتح المجال للتطاول على إرادة الجميع وعلى القانون والشرعية والمشروعية.
فنظريا، إذا قمنا بمقاربة هذا الوضع من خلال السلطة التقديرية للإدارة، نجد أن العمل الإداري منطقيا يجب ألا يتم في إطار العشوائية أو “حب الاشخاص فيه”، لكن يخضع لقواعد قانونية وتنظيمية أي الشرعية والمشروعية، ولكن في إطار خلط المفاهيم تعتبر العقليات الإدارية نفسها سلطة فوق كل السلط وتعتبر أنها تفلت من كل رقابة، وغير مقيدة بالقاعدة القانونية التي تنشؤها. وبالتالي تتجاوز الصبغة الإجبارية لهذه القاعدة القانونية.
فمظاهر مخالفة الشرعية والمشروعية؛ يمكن فهمها من خلال السلطة التقديرية التي هي الحرية في تحديد وإعطاء معنى لمفهوم لم يحدده القانون لسبب أو لغاية معينة، بحيث يكون هذا المعنى لا يتنافى مع نص قانوني أو تنظيمي.
وهذه الحرية تهدف إلى اختيار من بين حلول كثيرة ومشروعة المعنى الواجب إعطاؤه لهذا المفهوم. وبمعنى أدق هذه السلطة التقديرية تعطي للجهاز الإداري الحرية في اختيار وتحديد من بين عدة حلول أو مجموعة حلول الحل المناسب، كاتخاذ القرار أو الامتناع عن اتخاده حسب هذه الكيفية أو تلك أو الأمر به أو النهي عنه، كما هو الشأن في الشرطة الإدارية.
فالسلطة التقديرية إذن تنصب على مجال غير محدد بطبيعته، حيث تستنتج من خلال المفاهيم والتعابير المفتوحة التالية: وللسلطات أو للإدارة أن تحدد ما تراه مناسبا … يمكن للإدارة أن تخالفه حسب … للإدارة ان تحدد غير ذلك … للإدارة الصلاحية في أو الحرية في… إلى غير ذلك من المفاهيم التي تستنتج منها هذه السلطة التقديرية.
ومن آليات هذه السلطة التقديرية التي تستعملها الإدارة أو المؤسسات في سعيها لتنفيذ القوانين والأنظمة؛ نجد الدورية والمنشور والمذكرة المصلحية، وهي مجموعة من الوثائق الإدارية كآليات واستراتيجية للتواصل بين مختلف المصالح الإدارية التابعة لها. وهاته الوثائق تختلف عن النصوص والقرارات الإدارية، بحيث أنها تبقى مجرد تدابير وآليات تنظيمية إدارية محضة ولا تمت بصلة للتشريع في شيء.
فهي، لا من حيث الشكل ولا من جهة المضمون؛ لا تحيل أبدا الى الميزة الجوهرية للتشريع والقانون؛ ولا المراسيم ولا حتى القرارات او المقررات الادارية؛ بل تفتقد للقوة القانونية؛ فهي غير ملزمة. حيث تبقى عبارة عن تعليمات كتابية (les instructions) في شكل مذكرات مصلحية ومناشير ودوريات توضيحية فقط. تتضمن إحالات الى النص الأصلي الذي قد يبدو حوله غموض في الفهم وتوهم الشيء على غير حقيقته.
وهنا نستحضر الجدل الذي سببه منشور الوزير الأول آنذاك بين عبدالرحمان اليوسفي، ووزيره في الداخلية المرحوم ادريس البصري حول عقد الاجتماعات من قبل بعض الأحزاب والهيئات والنقابات السياسية والحقوقية؛ بالقاعات العمومية.
فما هو المقصود بهذه الدوريات والمذكرات المصلحية والمنشور؟ وما هي طبيعته وخصوصياته وحدوده القانونية والقضائية؟
في تعريف وتحديد وتنميط المقصود بالدوريات أو المنشور (circulaires) والمذكرة المصلية
(note de service).
عبارة عن كتاب ينشر ويتم توزيعه وتبليغه لجميع المصالح والجهات والاقسام والمديريات والمندوبيات والادارات المعنية به؛ يهدف توضيحا أو تفسيرا وإزالة لبس لقرارات أو تنبيها او تذكيرا بتعليمات سابقة. فهو ادن وثيقة إدارية تحتوي على قرارات أو أوامر أو تعليمات تنشر وتعمم على جميع الموظفين والمستخدمين قصد الاحاطة علما بها وإتباعها.
فهذه الآليات تبقى ذات طبيعة داخلية تصدر عن السلطة العليا المختصة في الجهاز الحكومي أو في اطار التسلسل الاداري الرئاسي بين الرئيس والمرؤوس أو إلى المستويات الدنيا التابعة لهذه السلطة. كالمناشير التي يصدرها رئيس الحكومة أو السلطة الحكومية أو الوزير المعني، حيث غالبا ما يلجأ الى استعمال آلية الدوريات والمذكرات المصلحية أو المنشور داخل الوزارات والمؤسسات الحكومية التابعة لها أو المتفرعة عنها أو في طار التنسيق فيما بيها.
ويصدر المنشور أو الدورية أو المذكرة المصلحية؛ على ضوء نص قانوني أو تنظيمي معين، يهدف الى التذكير بغاياته وضبط كيفيات وإجراءات ومسطرة تطبيقه، دون إضافة عناصر جديدة للنص أو مقتضيات معاكسة أو مناقضة له أو التوسع في شرح مضامينه، لأن هذه المهمة من اختصاص المراسيم التطبيقية فهذه الآليات مجرد قراءات الى جانب إحالات النص فقط.
وهذه الآليات تحمل بين طياتها:
• إما إيضاحات أو تفسيرات وازالة الغموض او اللبس؛ بشكل بسيط يسهل على الموجهة اليهم استيعابها؛ لتفادي ارتكاب أخطاء قانونية أو أغلاط، كتوهم الشيء على غير حقيقته في حالة سوء الفهم لمقتضيات النص القانوني او التنظيمي من قبل الساهرين على تنفيذه؛ أو مثار جدل حول كيفية التطبيق.
• أو يتضمن تعليمات أو أوامر إلى مجموعة من المعنيين به الموجه إليهم قصد العمل على التنفيذ.
• وقد تكو تنظيمية ويكون لها أثر قانوني، وهنا يفتح المجال للطعن في مقتضياتها على أساس التعسف أو التجاوز او الشطط في استعمال السلطة؛ وذلك أمام القضاء الإداري.
فالمنشور او المذكرة المصلحية او الدورية، التنظيمية لا تكتفي بتفسير النص القانوني او التنظيمي، بل قد تضيف إليه قاعدة جديدة، غير التي بالمرجع الاصلي؛ فيصبح قرارا تنظيميا قابلا للطعن بالإلغاء لمساسه بحقوق الأفراد أو مراكزهم القانونية.
من حيث طبيعة هذه الآليات؛ هناك من يرى أن الدورية او المذكرة المصلحية أو المنشور ليس له طبيعة قانونية ملزمة؛ وبالتالي فهو ليس بقرار إداري لكونه لا ينشئ أي وضع قانوني. مجرد إجراء وعمل إداري تنفيذي داخلي يتعلق أساسا بتفسير وتجسيد القواعد القانونية والتنظيمية السابقة والمتعلقة بالوظيفة الإدارية في المرفق دون أن يضيف أو يعدل أو يلغي فيها .
اتجاه آخر من فقهاء القانون الإداري؛ يعترف بالطبيعة القانونية وصفة القرار الإداري للدورية او المذكرة المصلحية او للمنشور اعترافا جزئيا ونسبيا، أي في مواجهة العاملين المرؤوسين فقط الذين يلتزمون بالانصياع له وعدم مخالفته وإلا اعتبروا مرتكبين لمخالفات إدارية تستوجب توقيع عقوبات واجراءات تأديبية.
• موقف القضاء من الطبيعة القانونية للدوريات والمذكرات المصلحية والمنشور:
الأصل أن المنشورات والدوريات والمذكرات المصلحية والتعليمات الإدارية الرئاسية ليست بأعمال قانونية أو قرارات إدارية أي ليست لها أية طبيعة قانونية، لأنها لا تنشئ وضعا قانونيا جديدا.
ولكن؛ نظرا لتمتع السلطات الإدارية بسلطة تقديرية عامة، خاصة الوزراء، والمديرون العامون للمؤسسات الإدارية؛ فإن المنشورات والدوريات والمذكرات المصلحية والتعليمات الإدارية التي يصدرونها في نطاق هذه السلطة التقديرية؛ غالبا ما تتضمن خلق وإحداث آثارا قانونية جديدة في المراكز القانونية للموظفين العامين تحت امرتها. وبالتالي تكون هاته المنشورات والدوريات والمذكرات المصلحية والتعليمات الإدارية؛ منشئة لمراكز قانونية، أي تكون قرارات إدارية ذات طبيعة قانونية، ويجوزلكل متضرر منها له مصلحة؛ اللجوء الى الطعن فيها بدعوى الإلغاء. إما لعيب عدم الاختصاص أو عيب عدم مطابقة مبدأ المشروعية.
وبالتالي فإن احترام مبدأ لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص قانوني يبقى هو الأصل؛ وأن التفسير في حدود التذكير أو التوضيح والارشاد يبقى آلية لضبط النسق الاداري لا غير.
هنا يفتح المجال لشتى صور التحايل على القانون، الذي يجد تبريراته رغم أنف الجميع في الأسباب المكونة لهذا السلوك الذي غالبا ما ينصب على تبرير الأسباب والغاية والمحل والإرادة في نهج هذا السلوك أو اتباع هذه الخيار او هذه السياسة بدل تلك. والذي يصعب ضبطه نظرا لتقنيته وفنيته، أي بحكم الوظائف المعترف بها للإدارة.
فطبيعة العمل الإداري؛ الأكثر تقنية وفنية وتعددا وتنوعا، يفتح المجال لشتى صور التجاوز.




