هل وصلنا إلى مفهوم الالتقائية في السياسات العامة والعمومية والقطاعية وتجاوز عقلية كلها يلغي بلغاه!؟
بقلم : الدكتور عبدالله شنفار
ما هو المقصود بالالتقائية؟
ماذا نفهم من العزف وضبط الإيقاع من خلال الضرب والقرع على ذلك الطبل الكبير بين جلالة الملك محمد السادس ملك المغرب و “جون بومبي ماغوفولي” رئيس جمهورية تنزانيا؟
ألا يحيل ذلك إلى فهم في معنى الإلتقائية في السياسات الدولية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية؟
مفهوم الالتقائية يتجاوز حدود الدائرة الضيقة المتعلقة بالوطن لتعانق المنتظم الدولي؛ كيف ذلك؟
شاهد العالم ككل بمناسبة زيارة جلالة الملك محمد السادس لدول أفريقيا؛ كيف كان يقرع على ذلك الطبل الكبير وبنفس ضبط الإيقاع رفقة رئيس دولة تنزانيا. فهذا يحيل إلى نوع من التناغم على مستوى الأفكار والإلتقائية على مستوى الارادة والسياسات والبرامج والطموحات لقائدي البلدين.
وكذلك نلاحظ التباعد الكبير بين العديد من رؤساء دول العالم وأنظمة معينة كموقفها من نظام إيران مثلا.
ونضرب مثلا آخر في التباعد بين قطر والسعودية؛ في حين نجد نوعا من الإلتقائية بين دولة الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية.
كيف نتجاوز ذهنية “كلها يلغي بلغاه ” في برمجة المشاريع ورصد الاعتمادات لتلبية الطلبات والقضايا الاجتماعية من طرف مختلف المتدخلين وطنيًا وجهويا وإقليميا ومحليا؟
هل وصلنا إلى هذا النوع من التسويات في المغرب؟
هل وصلنا فعلا إلى مستوى انتخابات مهيأة ومتفق بشأنها وحولها في إطار التداول على السلطة؟
هل تجاوزنا فعلا الحزازات الضيقة والانتقامات والابتزاز السياسي والاقتصادي وردود الفعل بين مختلف الفاعلين في الفضاء السياسي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي المغربي؟
هل وصلنا الى مرحلة تجاوز الخلافات حول الهوية وازمة القيم ومختلف التصورات التي يغترف منها كل فاعل سياسي؟
هل وصلنا إلى تحديد مفهوم ومعنى التناغم السياسي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي والتقارب في الأفكار ووجهات النظر لتنمية المجال وطنيًا وجهويا واقليميا ومحليا؟
لتوضيح ذلك نضرب مثلا: فانا لدي أهداف ومخططات وسياسات وبرامج على مستوى قطاعي وطني أو جهوي أو إقليمي محددة؛
وأنت لديك أهداف وبرنامج عمل معينة على المستوى الجهوي أو الإقليمي أو المحلي؛
والآخر لديه نفس الأهداف وخطة العمل من موقع آخر؛
ومن خلال البحث في استقراء التقاطع بين اهدافي وأهدافك وأهداف وبرامج الآخرين؛ استطعنا الوصول إلى نقط التقاء وتكامل في إطار جدلية اعتماد وتنسيق متبادلة في معادلة اهدافي وأهدافك ونفس أهداف الآخر.
لفهم المقصود بالالتقائية كفهم اصبح يدرس ويندرج في مجال البحث في إطار حقل علم السياسة والقانون الدستوري؛ يجب استحضار المعطيات والعناصر التالية:
ظهور انماط جديد في مقاربة التنمية على المستوى الوطني وتراجع ادوار الدولة في ظل تنامي دور الجهوي والإقليمي والمحلي والذي كان من نتائجه ضرورة اللجوء الى البحث عن شركاء في رسم السياسات العامة والعمومية والقطاعية.
وكذلك يجب استحضار التاريخ؛ لرصد تطور النظرة للتدبير المحلي والجهوي والإقليمي. فمنذ التخلي عن سياسة التخطيط بالمغرب سنة 1993 حتى حدود العام 1998، الذي قررت الدولة فيه العودة الى هذه الآلية سنة 2000 حيث تم العمل بمخطط خماسي للتنمية الاقتصادية والاجتماعية للفترة الممتدة ما بين سنوات: 2000 و 2004.
ومواكبة لهذا التوجه، وحتى تتطابق السياسات العمومية الترابية مع توجهات السياسات العامة والقطاعية على المستوى الوطني، وتجاوز مشاكل الازدواجية والتكرار والتناقض والتداخل والارتجالية والعشوائية والتخبط والمواجهة والصراع المحتدم بين مختلف المتدخلين في مجالات المشاريع والبرامج والخطط؛ جهويا واقليميا ومحليا ووطنيا في السياسات العامة والقطاعية والسياسات العمومية الترابية وغياب التناغم بين مختلف المشاريع المنجزة او المراد إنجازها؛ تم توجيه دورية وزارية تحت رقم: 77 لشهر فبراير 1999 من طرف وزير الداخلية إلى مختلف العمالات والأقاليم؛ تحدد الكيفيات الواجب اتباعها لإعداد مخططات وبرامج وخطط عمل للتنمية الاقتصادية والاجتماعية على مستوى الجماعات الترابية، مواكبة للتوجهات العامة للحكومة.
وهكذا تم وضع مخططات بناء على معايير تراعي اهمية التنظيم المؤسساتي عبر ثلاث مستويات ومن خلال خمسة مراحل أساسية:
– المرحلة الأولى:
همت المستوى الجهوي.
– المرحلة الثانية:
على المستوى الاقليمي.
– المرحلة الثالثة:
تمت على المستوى الجماعي او المحلي.
– المرحلة الرابعة:
تمت بالرجوع الى المستوى الاقليمي لبرمجة المشاريع الاقليمية على مستوى الجماعات التي يتكون منها الاقليم؛ على اعتبار ان الاقليم عنصر تنسيق.
– المرحلة الخامسة:
وهي الرجوع الى المستوى الجهوي كإطار للبرمجة الجهوية والتنسيق الجهوي .
هذا، وعلى الرغم من الانجازات التي تحققت في ظل هذه المخططات إلا انها ظلت محتشمة وكانت ذات طبيعة ارتجالية في ظل غياب نظام معلوماتي يتضمن إدراجها في إطار بنك معلومات وجرد للطلبات والقضايا والمعطيات المختلفة من خلال جذاذات علمية ومحكمة؛ بالإضافة إلى غياب توقعات مضبوطة حول المداخيل والمصاريف التقديرية المحتملة وعدم مواكبة المخطط للمدة الانتدابية كأجندة التزام من طرف النخبة، وكذا اتباع سياسة المخططات على المدى الطويل التي تتم على مدى (5 سنوات)؛ والتي تعد مدة اطول، عوض اعتمادها على المدى المتوسط الذي يحدد في (3 سنوات). الشئ الذي تم تداركه سنة 2009 حسب مقتضيات الميثاق الجماعي آنداك كما تم تعديله وتتميمه فيما بعد. وهنا نستنتج غياب عنصر الالتقائية في البرامج على مستوى السياسات العامة والقطاعية على المستوى الوطني؛ والسياسات العمومية على المستوى الترابي.
يجب كذلك استحضار ان الحداثة ليست مفهوما مستقلا بذاتها، بل ظهوره جاء نتيجة أزمات التدبير التقليدية، حيث ولدت في ظل التدبير المقاولاتي مند الثمانينات، حيث ثم استعمالها لانتقاد السياسات العامة المنتهجة من طرف الحكومات من طرف البنك الدولي؛ كسياسية التقويم الهيكلي، ومؤشرات النمو ونهج سياسة التقشف وغيرها …
فالإلتقائية في البرامج المحددة على المستوى الوطني؛ بين الجهة والإقليم والجماعة، تميل وتحيل إلى ضرورة الإنجاز دون تناقض أو تكرار أو الاستعمال المزدوج.
ان عملية صنع القرار جهويا واقليميا ومحليا وتنفيذه جهويا واقليميا ومحليا كذلك؛ هو تجاوز لعقلية فرض السياسات العمومية الترابية الفوقية، أو القائمة على مجرد إبداء الرأي الاستشاري حول سياسات عمومية وقطاعية، تتم بلورتها على المستوى المركزي وتنفيذها على المستوى الجهوي او الاقليمي او المحلي، أي فرض حلول من فوق دون معرفة الواقع الجهوي والإقليمي والمحلي. واعتبار الترابي مجالًا لتنفيذ سياسات الدولة فقط دون إشراكه في سلطة اتخاذ قرار التخطيط والبرمجة للمشاريع التنموية المراد تنفيذها على مستويات مجاله.
وبالتالي فدولة الحق وبالقانون تفرض ديمقراطية جهوية واقليمية ومحلية، تمكن الأفراد والجماعات من تدبير شؤونهم المحلية، وتكون وسيلة أداء في يدهم من اجل تسيير قضاياهم اليومية بشكل مستقل عن تدخلات السلطة المركزية.
فالتدبير الجهوي والإقليمي والمحلي وطبيعة مبدأ الاستقلال المالي والتدبير الحر؛ يفترض اعتمادات مالية مهمة للقيام بتنفيذ مختلف الاختصاصات والصلاحيات المنقولة من الدولة أو من المركز إلى الجهوي والإقليمي والمحلي؛ والذي يطلق عليه ما يسمى بالمالية المحلية؛ أي آلية التمويل الأساسية لكل المرافق في مجالي التسيير والتجهيز، الشيء الذي يفترض أن تتم تنميتها، وعقلنة وترشيد اختياراتها من أجل الاستجابة للمطالب والقضايا والمتطلبات والمشاكل الاجتماعية الجهوية والإقليمية والمحلية.
لمقاربة هذا الموضوع المتعلق بالمالية المحلية، ننطلق من السؤال المنهجي التالي، وهو ماذا يقصد بالميزانية وما علاقتها بالسياسات العامة الترابية؟
الميزانية هي وثيقة مالية تمتد على مدى سنة واحدة كاملة بكل جماعة ترابية تتضمن تجسيدا تقديريا للمعلومات والمعطيات لبرنامج عمل الجماعات الترابية على المدى القصير الذي هو سنة ويتضمن الخطوط العريضة لتدخلات النخبة في المجال التنموي لرسم السياسات العمومية من مشاريع جهوية واقليمية ومحلية، من خلال تقييد وتضمين الميزانية البرامج الآنية حتى تصبح اداة للتدبير وتجسيدها على ارض الواقع.
هذا، وفي كل سنة تتوصل مختلف الجماعات الترابية بالمملكة بمذكرة توجيهية حول كيفية وضع الميزانية من خلال تضمينها بعض المعايير والمؤشرات التوضيحية والتي هي في الحقيقة بمثابة توبيخ للمنتخبين بسبب الخروقات والأخطاء التي ترتكبها بعض الجماعات الترابية في رصد الاعتمادات بشكل لا يراعي قدرة مالية الجماعة؛ كمنع شراء السيارات الفخمة، في الوقت الذي تعاني فيه الجماعة وتتخبط في مشاكل ندرة الماء الشروب والكهرباء والطرق… وغيرها.
وتجدر الإشارة إلى ان هذه المذكرة لا تخرج عادة عن التوجيهات العامة من اجل المطابقة مع مالية الجماعات الترابية للميزانية العامة للدولة.
وبعد تحديد ومعرفة المتاح من الموارد، نلجأ إلى رسم فكرة للسياسات والبرامج والخيارات والبدائل. وهي عملية مفاضلة بين مجموعة من المتطلبات التنموية تتفاوت حسب أهميتها وأولويتها في الزمان والمكان.
وهنا أيضا نلجأ لطرح عدة أسئلة منهجية في تحديد طرق الإنفاق والتمويل العمومي وإعداد البرامج والخطط والاستراتيجيات، ويمكن حصرها فيما يلي:
أولا:
ماذا لدى الجماعة الترابية؟ أي الموارد المؤكدة والمحققة أو القابلة للتحقق من خلال ما راكمته الجماعة الترابية من استثمارات منجزة خلال السنوات الأخيرة، عبر مختلف مدا خيل الجماعات الترابية المتعلقة بالرسوم المخول لها تحصيلها وحصة الضريبة على القيمة المضافة المقدمة لها من طرف الدولة.
ثانيا:
ماذا تريد أن تفعل أو تقوم به هذه الجماعات الترابية من منجزات عبر تضمين وثيقة المخطط بنك معلومات وجذاذات مشاريع تنموية بناء على مطالب وقضايا الساكنة، والتي لا تتوقف أبدا؛ حيث يمكن إضافتها من خلال عملية التحيين لبرنامج عمل الجماعة في كل وقت وحين.
وبالتالي تصبح الجماعات الترابية إطارا مؤسساتيا يسير حسب وثيقة قانونية تتضمن دراسة الوضعية الاقتصادية والاجتماعية للجماعة الترابية المعنية.
نشير أيضا في هذا الصدد إلى أن الوثيقة لا تشكل جوهرا مستقلا بذاتها، بل تجد نوعا من التوازن بين وثائق ومخططات أخرى تدخل في علاقة تجاذبية معها وبها على المستوى الوطني والجهوي والإقليمي والمحلي؛ بحيث أن الجهة تبقى إطارا لتوجيه الأقاليم المنتمية لها بصورة أصغر، ونجد الأقاليم والعمالات كموجه ومؤطر للجماعات التابعة لها أيضا، بحيث دائما يبقى الرجوع إلى المستوى الجهوي لبرمجة مشاريع تهم مختلف الجهات، والمستوى الإقليمي لبرمجة مشاريع تهم مختلف الجماعات أو ما بين الجماعات التابعة لها.
ثالثا:
ماذا تقدر الجماعات الترابية على عمله أو فعله لتلبية الطلبات والقضايا الاجتماعية وتنفيذ سياساتها العمومية الترابية؟
الطلبات الاجتماعية تأخذ عدة أشكال وتمظهرات، لكن ذات طابع جماعي يستفيد منها الكل فرادى وجماعات وتشمل جميع المرافق، من صرف صحي وقنوات مجاري المياه والإنارة العمومية والربط بالماء والكهرباء، ترصيف الأزقة والشوارع، علامات التشوير، حدائق عمومية، مستوصفات ومراكز صحية، الخدمات الجماعية من جمع أزبال ومعالجة الأماكن المضرة وغير الملائمة، محاربة الكلاب الضالة، بناء سدود تلية، توزيع مساعدات على الفقراء والمحتاجين، إصلاح شتى الآليات والتجهيزات الجماعية وتقديم الخدمات الإدارية بدءا بشهادة أو تسجيل الازدياد أو الولادات حتى تسجيل شهادة الوفاة… وغيرها من المطالب والمشاكل والقضايا.
فالميزانية بهذا الشكل تعد وثيقة للبرمجة ووثيقة تقريرية تتضمن ترخيصا مسبقا بالالتزام بالنفقة وصرفها في حدود التقديرات المتاحة ومراعاة ما تم رصده بميزانيات وحسابات خصوصية أخرى او لدى الغير من المؤسسات العاملة الموازية، وتجسد نوع من الاستقلال المالي في تدبير الشأن العام، وذلك من خلال تمكين الجماعات الترابية من تعبئة مواردها الذاتية من خلال مختلف الصلاحيات والاختصاصات الممنوحة لها في مجال الجبايات تم اعتماد مبدأ اقتسام الضرائب بين الدولة والجماعات الترابية من خلال مدا خيل الضريبة على الدخل والضريبة على الشركات والضريبة على القيمة المضافة تم امكانية اللجوء الى الاقتراض من صندوق التجهيز الجماعي. وأيضا وسيلة اداء في يد المنتخبين لرسم السياسات العمومية الترابية واتخاذ القرار جهويا وإقليميا ومحليا لتلبية مختلف الطلبات الاجتماعية.
هذا، وتقوم الميزانية للجماعات الترابية على نظامين معياريين لتحقيق التوازن وتفادي التمويل بالعجز وهما:
الاول:
وهو النظام المعياري؛ بحيث انه على الرغم من تمتعها بالشخصية المعنوية والاستقلال المالي، فالجماعات الترابية غالبا لا تضبط، لا نظامها المعياري ولا نظامها المالي؛ الذي يقوم على مبدأ شمولية الاعتمادات لملائمة الميزانية للمتطلبات الضرورية خلال نفس السنة الموالية. وكذا متطلبات التخطيط والبرمجة المتعددة السنوات والتي تقتضي فتح المجال لاستعمال التراخيص بالبرامج التي يمكن تمويلها من الفائض التقديري.
الثاني:
وهو النظام المالي؛ فمحتويات المخطط الجماعي تجيب على أسئلة منهجية يمكن تلخيصها في ثلاثة محاور أساسية في شكل اسئلة منهجية جوهرية وهي كالتالي:
* ماذا لدى الجماعة الترابية من إمكانيات مادية ومالية وبشرية واقتصادية واجتماعية وثقافية
* ماذا تريد الجماعة الترابية فعله من خلال تحديد الحاجيات ذات الأولوية المحددة في إطار التشاور مع الساكنة ومختلف الإدارات والفاعلين المعنيين؟
* وماذا تقدر على فعله لتلبية المطالب والقضايا الاجتماعية من خلال تحديد الموارد والنفقات على المدى القصير المتمثل في برنامج عمل الجماعات الترابية، وعلى المدى المتوسط أي السنوات الثلاث الأولى التي تم فيها العمل بالمخطط الجماعي للتنمية وكذا على المدى الطويل على طول المدة الانتدابية على امتداد الخمس سنوات؟
انطلاقًا من سنة 1976؛ تاريخ الخروج من أزمات سياسية شهدها المغرب وسخف المؤسسات آنذاك؛ بدءًا بسنوات: العهد الملكي سنة 1958 الذي دعا من خلاله جلالة الملك المغفور له محمد الخامس إلى تبني الفكر الحر والتعددية ذات الأبعاد السياسية والاقتصادية والاجتماعية والخصوصية؛ الى سنة 1960 واقرار الميثاق الوطني وسنة 1965 حيث اعلان حالة الاستثناء وتوقيف العمل بالمؤسسات بالمغرب، مرورا بسنتي 1971؛ 1972؛ ومختلف المؤامرات والصراع حول طبيعة نظام الحكم التي كانت أطراف معينة تدفع في اتجاه اتباعها، في إطار اللعبة السياسية والعسكرية والأخذ بها كنظام في المغرب.
ومنذ ذلك الحين، عرف المغرب عدة نماذج لتأمين الحياة الفردية والجماعية وتنظيم شؤون المواطنات والمواطنين؛ حيث خرج المغرب خلال تلك السنوات من تنضيد اجتماعي وسياسي متأزم ومتنافر بين الدولة ومختلف الفاعلين السياسيين فجاءت المناظرة الأولى للجماعات الترابية تحمل شعار: التمازج بين مختلف الفاعلين والدولة. مما يعني المزج بين التوجهات الفكرية الاشتراكية الشيوعية والتوجهات الفكرية الرأسمالية والفردية؛ بين مختلف المكونات السياسية من منتخبين ونقابات وهيئات، من جهة والسلطة من جهة أخرى.
بعدها جاءت مناظرات وطنية تحمل شعارات أخرى: التعايش والتكامل والتضامن والمركزية واللامركزية وعدم التركيز ؛الإداري والحكامة؛ في أفق الجهوية الاقتصادية والمحلية والموسعة.
كما تخللت هذه الشعارات عدة مفاهيم يمكن حصرها في:
• برامج الانعاش الوطني الذي كان يعتبر بمثابة فكرة لتحويل البلد إلى اوراش تغلي بالمشاريع التنموية؛
• اتباع سياسة التقويم الهيكلي؛
• الحداثة في مواجهة التقليدانية؛
• التراضي السياسي أو التناوب في تدبير السياسة العامة للبلاد والعباد؛
• برنامج العالم القروي ومحاربة الجفاف؛
• برنامج التزويد الشامل بالماء والكهرباء وفك العزلة؛ PERG وPAGER؛
• العودة إلى سياسة التخطيط الخماسي القصير والمتوسط والطويل المدى؛
• برنامج المبادرة الوطنية للتنمية البشرية؛ INDH
• مخططات التنمية الجماعية PCD؛
• البرامج التشاركية Partenariat؛
• نظام التغطية الصحية الطبية RAMED
• الحكامة la gouvernance؛
• النموذج التنموي الذي دعا له جلالة الملك محمد السادس؛
• المناظرة الجهوية بمدينة أكادير وما تمخض عنها من توصيات؛
• الالتقائية؛ وهذا هو آخر تطلع او مفهوم متداول كموضة العصر الحالي بالمغرب والكل يتغنى به؛ وكأننا وصلنا الى مستوى الإشباع وتحقيق جميع المفاهيم التي كانت سائدة من قبل في السابق!
فالفهم في الالتقائية يحيل إلى نوع من التسويات أو التراضي أو التنازلات من هذه الجهة أو تلك من اجل تفادي التناحر بين مختلف القوى السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي تعمل داخل الفضاء المغربي حتى لا نقول داخل النسق الاجتماعي والسياسي والاقتصادي والثقافي المغربي؛ بحكم التنافر والتباعد والحزازات والصراع بين مختلف القوى داخل المشهد السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي.
فالدول الرأسمالية لا تقبل بالتناحر إلى ما لا نهاية. بحيث ان الأغلبية الحاكمة لا تهمش مقترحات وافكار الأقلية أو المعارضة.
هذا، وإذا ما تفحصنا ومن خلال قراءة متقاطعة في رؤي الأحزاب السياسية والنقابات والهيئات ومختلف الفاعلين في المشهد السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي المغربي؛ من خلال مذكرات مقترحاتهم حول النموذج التنموي موضوع التفكير حاليا؛ يلاحظ مستوى التباعد على مستوى القيم والحريات الفردية والجماعية مع باقي التوجهات السياسية حسب مبادئها أو مواقفها كمجرد ردة فعل أو موقف معين؛ بين ما هو ديني إسلامي او شيوعي ماركسي او اشتراكي او حداثي وتقليداني.
يبدو ان الاستنتاج واضح؛ حيث انها مجرد عدة أوجه لعملة واحدة؛ او اعادة انتاج نفس مفاهيم هذه الالتقائية؛ بغض النظر عن المعنى الذي يعني التقاطع في مختلف التوجهات والأفكار.