حينما يربط الانسان المغربي بين الفاعلية وتجميع السلطات..الإجراءات المصاحبة لفيروس كورونا دليل آخر على ذلك..
بقلم : الدكتورعبدالله شنفار
نستحضر محاورة بهذا الخصوص لتقريب الصورة للقارئ؛ حيث يرى الاستاذ محمد ضريف في بحثه حول النسق السياسي المغربي المعاصر – مقاربة سوسيو- سياسية. منشورات المجلة المغربية لعلم الاجتماع السياسي. أن “المخزن القوي؛ هو مخزن لا مكان فيه لفصل السلط. فالإنسان المغربي يعطي الأولوية للحق على القانون والديمقراطية. ان فصل السلط قد يجسد الديمقراطية، لكن قد يضيع الحقوق، وهاته الرؤية يمكن استنتاجها من الحدث التالي:
في صيف سنة 1984، قام الاستاذ محمد ضريف بإنجاز بحث حول السلوك الانتخابي في الجماعة القروية لعين حرودة. وهي جماعة تابعة لعمالة المحمدية وتبعد عن الدار البيضاء ب 17 كلم. اثناء حديثه مع اول رئيس لهاته الجماعة في سنوات الستينات، وهو الحاج حميمون، أثار قضية النزاعات حول “الأرض” في المنطقة، فسأله:
– ما رأيك في قواد ما بعد الاستقلال؟
– أجاب: القايد هو القايد القديم. حين كنت تلجأ إليه، كان يمنحك حقك على الفور، أما القايد الحالي، تذهب إليه، فيقول لك: هاته المسألة ليست من اختصاصي عليك أن تذهب الى القضاء.
– قال له: لكن هذا هو حال فصل السلطات، إنها الديمقراطية.
– اعترض قائلا: عن أية ديمقراطية هاته التي تتحدث عنها والتي تضيع حقوقي؟
– قال له: إذا كنت صاحب حق، فالقضاء سيمنحك إياه.
– رد قائلا: إن الأرض كالزوجة، ومن يغتصب أرضي كمن يغتصب زوجتي، والقضاء لن يمنحني حقي إلا بعد سنة أو سنتين، ماذا أفعل بزوجة مكثت عند إنسان غريب أكثر من سنة؟
هذا التصور الذي يحمله أول رئيس جماعة قروية انشئت بعد الاستقلال في منطقة قريبة بين مدينتي الدار البيضاء والمحمدية، يعكس في الواقع تصورا عاما للمحزن. فالمخزن كقوة وكفاعلية لا يمكن تمثله إلا في سياق تجميع السلطات؛ اليست لا مبالاة الانسان المغربي بمجلسي النواب والمستشارين وما يجري فيه؛ الا دليلا على هذا التمثل؟ أوليس كذلك، حجم الكم الهائل من الشكايات الواردة على الديوان الملكي برهانا آخر على ان الانسان المغربي لا زال لم يستوعب بعد منطق فصل السلطات ومنطق الدولة الحديثة؟
واقع تمثل المخزن كقوة، يفضي إلى شيء آخر: هو عدم القدرة على مواجهته ومقاومته، وبالتالي ضرورة الاحتماء به أو التعايش معه.” ففي الثقافة الشفوية المغربية نجد القول: ” احذر ثلاث: البحر والمخزن والنار” وفي القرى حيث لا وجود للبحر يقال: احذر ثلاث: “المخزن والوادي والنار”.
إن مدخل التشكيلات الاجتماعية والسياسية والثقافية والاقتصادية لتوصيف النظم الاجتماعية المغربية؛ تحيل إلى معطى يتجلى في كون النسق السياسي لمغربي المعاصر هو بمثابة نسق اجتماعي فرعي وثانوي وتتجلى وظيفته الاساسية والجوهرية في تنظيم وتفعيل الموارد الضرورية لتحقيق متطلبات وقضايا الافراد والجماعات. وبالتالي فكل نسق يستهدف الاستمرارية والتفاعل مع متطلبات محيطه من خلال عملية تصريف وتحويل وبلورة المتطلبات والقضايا الى قرارات وافعال.
وبالتالي فالنسق السياسي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي لا يختزل في الشخص المخلص؛ بل في أدوار سياسية واجتماعية وثقافية واقتصادية.
وعلى الرغم من الانتقادات الموجهة لرؤية الطرح القائلة بالتعددية وإشراك الكل في سلطة اتخاذ القرار والمتمثلة في كون الطبقات الغنية من رجال أعمال وساسة محنكين والطبقات المتوسطة تبقى تتوفر على كامل الحظوظ للاستيلاء على سلطة القرار من خلال الوصول إلى الحكم فان طبقات أخرى لا تستطيع ذلك لعدم توفرها على سلطة المال المتوفرة لدى رجال الأعمال التي بواسطتها يستطيعون الحشد والتعبئة من خلال عملية التمويل وحتى رجال الأعمال فهم لا يساندون إلا الجمعيات والهيئات السياسية التي تتبنى مصالحهم وأفكارهم والتي تؤيد قضاياهم.
إلا أنه مع ذلك يمكن القول إن التنافس يبقى شيئا مشروعا من اجل اكتساب القوة والوصول إلى الحكم وإنتاج القرار أو التأثير في مصادر إنتاجه بين كل المكونات السياسية والاجتماعية في الدولة الرأسمالية التي تفتح المجال للكل من اجل التنافس على قدم المساواة والسماح بالتصارع في إطار ديمقراطي من اجل تحقيق الأهداف والوصول إلى عملية صنع القرار ورسم السياسات العامة.
وهكذا، نستنتج أن روبرت دال عالم السياسة الأمريكي، استطاع من خلال دراسة حالة مدينة “نيوهافن” أن يؤسس لوجود سياسة عامة محلية ووجود قرار محلي يشارك فيه الجميع. وبالتالي الكل مشارك ولا وجود لفئة او شخص محروم من التأثير في عملية صنع القرار وممارسة القوة الموزعة بشكل منطقي بين جميع القوى، حيث ان القرار بهذا الشكل لا يشكل جوهرا مستقلا بذاته بل تتحكم فيه الطبقة الحاكمة المهيمنة على جميع القطاعات والمستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، و يجد نوعا من التوازن بين جميع القوى داخل المجتمع الذي يتولى تدبير شؤونه العامة بشكل مستقل عن السياسة العامة المركزية.
وبالتالي فالمجتمع الشمولي أو الكلياني لا يمكن تصوره كمحتكر للسلطة السياسية في هذا الإطار؛ ولكن يجد تبريره في عدة تمفصلات للمنظومة الفعلية، حيث يتمتع الأفراد في كل مجتمع بهامش معين من التأثير في الفعل السياسي والاقتصادي والاجتماعي لإبراز وبلورة قواعدها وأفكارها في اطار الادماج السياسي والاجتماعي والاقتصادي لقواعدها؛ في إطار التكتل والاحتشاد والتشكيل التاريخي والفلسفي للممارسات من أجل التصدي للظواهر واعتباط الطبيعة؛ وفيروس كورونا نموذجا على هذا.