المسرح و تراجيديا شبح كرونا
بقلم : حسن هموش
كم هو قاس هذا الإحساس بالخوف من الانتظار، من المجهول، من الموت، أليست قهرية القدر الذي ألقت بنا في براثين ظلمة هذا الوباء؟؟، أم انه خطأنا التراجيدي في تسابقنا نحو صناعة الازمة.؟، إلا ان هذا الوباء، وبدون وعي منه، حولَنا إلى كائنات تمارس رياضة الترقٌب والتأمل، ولربما دفع بنا لمراجعة ماض كان بالأمس القريب مٌشبَع بالاندفاعية والعنترية والنرجسية القاتلة، نًفْس مهتمة أكثر بالعيش للذات دون الاخر.
على مدار سنين، وأنا أمارس هذا المارد المسمى مسرحا، إنه طقس غرائبي يجعلك تسافر داخل أغوار النفس المتعددة الاهواء والرغبات، خلال هذا المسار حاولت في كل مرة تجديد علاقاتي مع ذاتي وجوانبها المظلمة، وفي كل مرة اطرح أسئلة من قبيل ماهية الوجود، والكينونة، وصراع البقاء والاستمرارية، الان ونحن نعيش تراجيديا الشبح الكروني، وهي تراجيديا لعنة التسابق على مواقع واهية، وكأنها عائدة من زمن غابر، لتٌملي علينا تجديد سلوكيات العلاقات مع النفس المنشطرة ما بين الانا والأخر، فالمسرح في زمن ما قبل الكرونا، لن يظل طقسا فرجويا، لكن سيصبح، طقسا للمكاشفة والبحث عن تجديد العلاقات التي ضاعت في عتمت فوضى العبث البشري، هذا الكائن المدمر لذاته ومحيطه، سيحول التطهير كمفهوم مرتبط بالخوف وليس بالإحساس بالذنب، إلى صراع شرس مع الشيطان، لأن الصراع كان سيصبحٌ من اجل الظفر بموقعه والاستمرار في ممارسة لعبة الغواية، “أكون أولا نكون، تلك هي المسألة..؟.” هذه المقولة للأمير الدانماركي “هاملت” تجعلنا فعلا نقف في مواجهة صريحة وصارمة مع الذات، لأنها تنتشل قلق السؤال، الذي كان المسرح ومازال يمارسه وبكل سلطة على أذهاننا، هل فعلا ستكون لنا القدرة “ما بعد الكرونا” أن نعيد إنتاج أسئلة جديدة؟؟، ليس من قبيل “الكينونة” بل من قبيل” الماهية “، ماهية الأفكار والسلوك والافعال وكذا الأشياء، لان ممارسة لعبة الانزواء، هذا الاختيار التراجيدي، لعله مارس علينا فعل الغوص والتقصي، والاستكشافات في جغرافية أنفسنا التي ابتعدنا عنها أو ابتعدت عنا لزمن, اليس المسرح لعبة الكشف ..؟؟
حين ظهر طيف “هاملت الاب”، جاء ليبوح بسر الجريمة، وليدفع للبحث عن الحقيقة، وكان المسرح هو الفعل الذي ازاح الستار عن الخديعة التي أحيكت بجبة الحب المقنع، هذا ما فعله “شبح كرونا” حين دفع بنا لممارسة فعل البوح في صمت، كان يطلب منا تعقيم القيم من مخلفات رواسب السلوكيات اليومية المتعفنة، وهناك من جعل منه فرصة لتغير القناع، ومحاولة ركوب “حصان تروادة”، إلا ان الامر سيبدو مختلفا مع الفصل الثاني من هذا العمل التراجيدي “شبح كرونا”، حيث ان “كودو”، قدم لإعادة ترتيب العالم، والمفاهيم والأرقام والاحاسيس والعلاقات، وكأن الأرض تدعوا ساكنتها للتخلي عن أنانيتهم الملوثة، وكبريائهم المرضي، لتفرض عليهم سجن المراجعة والتأمل.
هل سينتهي فصل هذه التراجيدية، وتنطلق مراسيم فصل جديد؟، هل ستنتهي أزمة الجائحة ومعها ازمة القيم التي اضعناها منذ زمن؟، هل تصوراتنا الفلسفية للفن والوجود والمنظومات الفكرية والاجتماعية والسياسية، ستعيش تحولات بنيوية من حيث التصورات وسلسلة الإنتاج؟، لاشك ان العديد من المفاهيم ستصبح في خبر كان، وان “الفكر الاسمنتي”، قد أصيب بهزة جعلت عباده، يحولون قبلتهم نحو قبلة التأمل والتفكر، وبالتالي فبنية المجتمع ستعرف تغيرات في رقعة لعبة الشطرنج، لان بالأمس كانت المنظومة الصحية، حلقة مهملة في الوعي الجمعي، فظلت لسنوات مجرد شعارات، تؤسس للقفز من مرحلة انتخابية لمرحلة أخرى لا تقوم إلا بإعادة نفس سلوكيات المرحلة السالفة، أليس منظومة التعليم هي الأخرى، كانت مجرد قطاع مستهلك غير منتج، وتحول بعد ذالك إلى فضاء للاستثمار، في مستقبل الأجيال الصاعدة، التي تؤدي ثمن التمدرس دون التعلم، وثمن الشواهد دون التربية والكفاءة، إن هذه المنظومة كانت دوما محطة مزايدات سياسوية، وتجارب مخبرية لنزاعات إيديولوجية ضيقة الأفق وفارغة في مبناها ومعناها، حتى أنها لم تقم سوى بزراعة قيم التبخيس، والجشع والفردانية القاتلة، الم تكن الثقافة والفنون، دائما على هامش المجتمع ، وفي دواليب القيمين على تدبير الشأن المجتمعي، لأنها في اعتقادهم مجرد قضية (زايدة ناقصة)، تعبير يحمل المعنى ونقيضه، ويكشف عن ضعف الرؤيا لحاملي هذا المعتقد العقيم، والان ونحن ننتظر “كودو” لينقدنا من عزلتنا لم نجد طريقة للتواصل إلا الثقافة والفنون، لانهما الوسيلتان اللتان وٌجِدًتا للتواصل مع عموم الناس بكل الفئات والاعمار، من كل المستويات والاجناس، لان الفن يعلمنا كيف نكون كقطرة الندى أينما حلت نفعت، وهي التعبير الجميل الذي عبر عنه شكسبير بقوله “لاتدع يد الشتاء تمحو عنك صيفك قبل أن تتحول أنت إلى قطرات “