حين تتهاوى الإنسانية تحت أطنان الأنقاض: مأساة الاستغلال ورداءة البناء

بشرى مبكير

المآسي الإنسانية تضع مجتمعنا أمام مرآة تعكس أعمق قيمه وأسوأ انحداراته الأخلاقية. وبينما تنشغل غالبية الضمائر الحية بالدعاء للضحايا وتقديم يد العون للمتضررين من انهيارات المباني، تنبت في الزوايا المظلمة ظاهرة مؤلمة تكشف عن وجه آخر وقبيح للمجتمع: استغلال الكوارث لتحقيق مكاسب مادية رخيصة.
الحديث هنا ليس عن مجرد سرقة، بل عن انتهاك لحرمة الموت وكرامة الأحياء. مشهد مجموعات، سواء كانوا أطفالا مستغلين أو بالغين بلا ضمير، يتجمعون حول الأنقاض بانتظار “انسحاب السلطة” لاستخراج الحديد المغشوش هو وصمة عار جماعية. هذا السلوك لا يقل خطورة عن الأسباب التي أدت إلى الانهيار في المقام الأول.

تتجلى خطورة هذه الظاهرة في نقاط عدة:

أولاً: تغليب المصلحة المادية على القيمة الإنسانية.

في الوقت الذي تتجمد فيه القلوب حزنا على أرواح تحت الركام، تتحول المأساة في عيون هؤلاء إلى “همزة” تجارية. هذا التبادل الصارخ بين الألم الإنساني والنفع المادي يعكس خللا أخلاقيا عميقا، يطرح سؤالا قاسيا: أين ذهب التعاطف والتراحم؟

ثانياً: استمرار دورة البناء المغشوش.

الحديد الذي يستخرج من “السواري والضالة” المنهارة ليس مجرد خردة، بل هو دليل إدانة على استخدام مواد بناء رديئة أو مخالفة للمعايير الهندسية. استخراجه وإعادة بيعه في السوق السوداء يعني أنه سيستخدم مجددا في بناء مساكن أخرى، ليخلق “قنابل موقوتة” جديدة تهدد حياة أبرياء آخرين. إنها حلقة مفرغة من الغش يغذيها الجشع ويدفع ثمنها الأرواح.

ثالثاً: عرقلة جهود الإنقاذ والسلطات.

انتشار هذه المجموعات حول موقع الكارثة لا يعرض حياتهم للخطر فحسب، بل يعيق عمل فرق الإنقاذ المختصة ويزيد من الفوضى، مما يؤخر عمليات البحث عن ناجين ويزيد الطين بلة.

إن عبارة “هنا الأحياء أولى من الأموات حرفيا” تلخص المفارقة المؤلمة: الأنقاض التي كانت بالأمس منازل لأحياء تحولت اليوم إلى مصدر رزق غير مشروع على حساب الضحايا!!!

لمعالجة هذه الآفة، لا يكفي الإدانة الأخلاقية بل يجب على السلطات الأمنية والمحلية تشديد الرقابة على مواقع الكوارث وعلى سوق الخردة والمعادن المستعملة. كما يجب أن تكون هناك حملات توعية ومحاسبة صارمة لكل من يثبت تورطه في هذه التجارة القاتمة.

المأساة هي اختبار لتماسك المجتمع وتضامنه. فإما أن نخرج منها أكثر قوة ورحمة، وإما أن نغرق في وحل الاستغلال ونسمح للمصلحة الضيقة بأن تدوس على قيمنا الإنسانية المشتركة.

ضرورة محاسبة المسؤولين عن الغش: نداء من أجل النزاهة والعدالة

يعد الغش بجميع أشكاله، سواء في القطاع العام أو الخاص، آفة خطيرة تقوض أسس المجتمع العادل والمنصف. عندما يتفشى الغش، تضيع الثقة، وتهدر الموارد، وتظلم الفئات الضعيفة، وينهار مبدأ تكافؤ الفرص. إن محاسبة المسؤولين عن الغش ليست مجرد إجراء قانوني، بل هي ضرورة أخلاقية واجتماعية لضمان سيادة القانون وحماية المصلحة العامة.

لماذا المحاسبة ضرورية؟

أولا وقبل كل شيء، تبعث المحاسبة رسالة واضحة لا لبس فيها مفادها أن النزاهة قيمة غير قابلة للمساومة، وأن من يخون الأمانة سيواجه العواقب. إن غياب المحاسبة يولد بيئة من الإفلات من العقاب، مما يشجع الآخرين على انتهاج نفس المسار الفاسد.

ثانيا، تضمن المحاسبة استعادة الحقوق لأصحابها. فإن الضحايا يستحقون العدالة واسترداد ما سلب منهم.

ثالثا، تعمل المحاسبة كرادع فعال يمنع تكرار الأخطاء والمخالفات في المستقبل. عندما يعلم الفرد، أيا كان منصبه، أنه سيخضع للمساءلة عن أفعاله، فإنه سيفكر مليا قبل الانخراط في أي ممارسات غير قانونية أو غير أخلاقية.

مسؤولية الدولة والمجتمع

تقع على عاتق المؤسسات الرقابية والقضائية في الدولة مسؤولية كبرى في تفعيل آليات المحاسبة. يجب أن تتمتع هذه المؤسسات بالاستقلالية التامة والشفافية اللازمة للتحقيق في قضايا الغش ومتابعتها دون خوف أو محاباة. كما يجب تحديث القوانين وتغليظ العقوبات لتكون رادعة بما يكفي.

لا يقتصر الدور على الدولة وحدها، فالمجتمع المدني والأفراد لهم دور محوري، الإبلاغ عن حالات الغش، رفض التستر على الفاسدين، والمطالبة المستمرة بالشفافية هي أدوات قوية بيد المواطنين لضمان عدم تمرير هذه الممارسات.

كلمة أخيرة: نداء للضمير

إلى كل مسؤول، وإلى كل مواطن، وإلى كل من يهمه أمر هذا الوطن:

إن النزاهة ليست شعارا نردده، بل هي أسلوب حياة وممارسة يومية. إن مستقبلنا وكرامتنا مرهونان بقدرتنا على محاسبة المخطئين وبناء مجتمع تسوده الثقة والعدالة!!!