المسيرة الخضراء.. من نداء الملك إلى هندسة المستقبل
المسيرة الخضراء.. من شعلة التحرير إلى هندسة التنمية

بقلم: بشرى مبكير
في تاريخ الأمم محطات لا تتكرر، تخرج من حدود الظرفية لتصنع مسارا يلهم الأجيال. ومن بين تلك اللحظات الفارقة في ذاكرة المغرب، تظل المسيرة الخضراء حدثا تجاوز كونه عملية سياسية لتحرير أرض، ليصبح رمزا لإرادة وطن وبصمة حضارية في سجل التاريخ المعاصر.
في السادس من نونبر 1975، ارتفعت أصوات المغاربة استجابة لنداء الملك الراحل الحسن الثاني، الذي جمع بين الشجاعة السياسية وحنكة القائد المؤمن بوحدة وطنه. لم تكن المسيرة مجرد تجمع بشري، بل تعبير جماعي عن يقين راسخ بأن الصحراء جزء من المغرب، وأن استرجاعها واجب تاريخي ووطني.
سار المغاربة نحو الجنوب بلا سلاح، حاملين القرآن والعلم، ليجسدوا معاني السلم والشرعية وسيادة الحق على منطق القوة. فكان ذلك الحدث علامة فارقة، أبهرت العالم وغيرت مسار المنطقة.
ومع اعتلاء الملك محمد السادس العرش، استمر مسار المسيرة بروح جديدة. تحولت المعركة من استرجاع الأرض إلى تثبيت السيادة عبر التنمية. فاعتمدت الدولة رؤية استراتيجية جعلت من الصحراء ورشا وطنيا مفتوحا، وجسرا بين المغرب وعمقه الإفريقي.
في هذا الإطار جاء النموذج التنموي للأقاليم الجنوبية سنة 2015، كأكبر مشروع هيكلي في تاريخ الصحراء الحديثة، جامع بين الاقتصاد الاجتماعي والبنية التحتية المتقدمة والحكامة الترابية.
تم إطلاق مشاريع كبرى غيرت معالم المنطقة، من بينها:
إنجاز محور طريق تزنيت – الداخلة، الذي أعاد رسم خريطة الربط الوطني وفتح أبواب التبادل والاستثمار.
مشروع تحلية مياه البحر بالداخلة مع إنتاج الكهرباء من طاقة الرياح وشبكة ري واسعة، دعما للأمن المائي والفلاحي.
مشروع ميناء الداخلة الأطلسي وتأهيل البنيات المينائية، بما يضع الصحراء في قلب المبادلات البحرية الإفريقية.
إدماج الطاقات المتجددة وتحسين شبكات الخدمات والبنيات التحتية الأساسية من ماء وكهرباء وتطهير ونقل، في سياق تنمية حضرية حديثة ومستدامة.
الصحراء اليوم لم تعد مجرد أرض مسترجعة، بل مجالا استراتيجيا للتنمية والتحول الاقتصادي، ومركز ثقة دبلوماسية يعكسه تزايد الاعتراف الدولي بسيادة المغرب ودعم مبادرة الحكم الذاتي كحل جدي وواقعي.
المسيرة الخضراء لم تنته. تحولت من حدث تاريخي إلى روح تتجدد في كل مشروع تنموي وقرار سيادي. إنها قصة وطن آمن بوحدته، وقيادة رأت أبعد من اللحظة، وشعب لا يساوم على أرضه ولا على مستقبله.



