السر الإداري بين الجوانب القانونية والسلوكية..
بقلم : الدكتور عبد الله شنفار
في مقابل الحق في الحصول على المعلومات الذي يبقى من الحقوق والحريات الأساسية التي نص عليها الدستور المغربي في الفصل 27 والصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.11.91 بتاريخ 29 يوليوز 2011.
وكذا المادة 10 من اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد التي تلزم الإدارات العمومية بضرورة تمكين المواطنات والمواطنين من الوصول والحصول على المعلومات واتخاذ التدابير الكفيلة لممارستهم لهذا الحق، تعزيزا للشفافية وترسيخا لثقافة الحكامة.
ويأتي قانون الحق في الحصول على المعلومات ليشكل ترجمة فعلية لتنزيل المقتضيات الدستورية والمتطلبات القانونية والمؤسساتية، كتعبير عن إرادة سياسية حقيقية تستجيب للتطورات والتحولات والمطالب الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية والكمية والنوعية للإدارة والمجتمع.
ومن اجل ترسيخ دولة الحق بالقانون، تم إصدار قانون إلزام الإدارات العمومية والجماعات الترابية والمؤسسات العمومية بضرورة والزامية تعليل قراراتها الإدارية. وكذا إصدار قانون حماية الأشخاص الذاتيين تجاه معالجة المعطيات ذات الطابع الشخصي، وإحداث مؤسسة الأرشيف ومؤسسة الوسيط والمجلس الوطني لحقوق الإنسان والهيئة المركزية للوقاية من الرشوة.
ومن أجل تدعيم وتقوية البحث العلمي والحقل المعرفي. وإشاعة ودعم قواعد وروح الانفتاح والشفافية، وتعزيز الثقة في علاقة الإدارة بالمتعاملين معها، وترسيخا للديمقراطية التشاركية وكذا إرساء إجراءات كفيلة بتخليق الممارسة الإدارية والفعل الاداري وضمانا للمصداقية والنزاهة في تدبير الشأن العام. وتبسيط للإجراءات والمساطر الإدارية في وجه المواطنات والمواطنين وحماية حقوقهم تنمية الوعي القانوني والإداري؛ وجذب الاستثمار وتنشيط الاقتصاد. وتحقيق الأمن القانوني والقضائي؛
هناك حالات محدودة نص عليها القانون يمكن أن تتدرع بها الإدارة للقول بالسر المهني؛ عدا ذلك يبقى الأمر مجرد سلوك وعقليات، إذ لا يمكن تصور السرية إلا في المجالات الاستراتيجية والأمنية والحيوية للبلاد.
أولا: الجانب القانوني:
نص الفصل 18 من ظهير 1-58-800 بتاريخ 4 شعبان 1377 (24 فبراير 1958) المتعلق بالنظام الأساسي العام للوظيفة العمومية على أنه: “بقطع النظر عن القواعد المقررة في القانون الجنائي فيما يخص السر المهني، فإن كل موظف يكون ملزما بكتم سر المهنة في كل ما يخص الأعمال والأخبار التي يعلمها أثناء تأدية مهامه او بمناسبة مزاولتها.
“ويمنع كذلك منعا كليا اختلاس اوراق المصلحة ومستنداتها أو تبليغها للغير بصفة مخالفة للنظام. وفيما عدا الأحوال المنصوص عليها في القواعد الجاري بها العمل فإن سلطة الوزير الذي ينتمي إليه الموظف يمكنها وحدها أن تحرر هذا الموظف من لزوم كتمان السر أو يرفع عنه المنع المقرر أعلاه”. الفصول 446، من القانون الجنائي يعاقب كل من أفشى سرا إداريا حصل عليه بسبب عمله أو وظيفته. الفصل 446 من ق.ج يعاقب إفشاء الأسرار المهنية من طرف الأطباء الجراحين والمولدات. والفصل 181 وما بعده إلى 200 من ق.ج حيث معاقبة إفشاء الأسرار المتعلقة بالدفاع الوطني.
ومع ذلك تضمنت الفقرة الثانية من الفصل 18 المذكور أعلاه فضاء مرنا يسمح بالتمييز بين ما يعتبر سرا إداريا وبين ما هو غير ذلك.
صحيح أن هناك أمورا سرية تهم أشخاص بذواتهم في إطار تقارير وأبحاث كما هو الشأن في التحقيق القضائي والاداري، وبعض الفحوصات الطبية، التي تمس بمراكز أشخاص مشخصين وسمعتهم.
فبالنسبة للتحقيق القضائي، يمكن اعتبار الجلسات سرية ولا يطلع عليها أحد إلا موكل الظنين، لكن إذا كان الأمر يتعلق ببحث ميداني من طرف باحث حول كيفية إجراء التحقيق والوصول إلى نتيجة الظروف التي يعامل بها المتهم أثناء التحقيق فلا مانع من الوصول الى المعلومة لبناء نظريات علمية بحثة، شريطة ألا يشير لا إلى اسم الشخص ولا إلى رقم ملف معين أو عرقلة البحث بأي شكل من الاشكال.
أيضا في مجال الصحة العمومية، وحتى لو افترضنا احترام أخلاقيات المهنة، فالعديد من عمليات التشريح يتم خدمة للمصالح العليا. وفي هذا المجال، وهنا يمكن تصور السرية، على ألا يتم التلاعب بأعضاء الجسم البشري بالبيع والشراء.
كما نص منشور الوزير الأول رقم 79/ د المطبق لقانون رقم 25/92 المتعلق بالإقرار بالممتلكات العقارية والقيم المنقولة على أنه يحظر إطلاع أي كان على محتوى هذه التصريحات إلا في الحالات التي ينص عليها القانون. وكل إخلال بسريتها يعرض مرتكبه لعقوبات تأديبية زيادة على المتابعات القضائية عند الاقتضاء.
أما وأن تتدرع الإدارة بالسرية في مجالات أخرى، يفتح المجال للتساؤل عن أين يبدأ هذا السر أو التحفظ المهني وأين ينتهي؟ وهل يمكن الحديث عن مجتمع إداري بشكله الحالي؟
ثانيا: الجانب السلوكي:
حتى يبقى لها وجود في نظرهم، تتدرع العقليات الإدارية بالسر المهني والإداري، بحيث كيف يمكن تصور السرية في كيفية صرف ميزانية الدولة او الجماعة أو الاستفسار عن طرق التسيير أو المخططات او الصفقات العمومية…؟ صحيح أن الإفصاح عن بعض الخيارات أو المشاريع يمكن ان يخلق عرقلة، قبل الشروع في تنفيذها، كالتقسيم الإداري وترقية جماعة إلى بلدية، حيث المضاربات العقارية التي لا تضيف شيئا للاقتصاد الوطني، لكن ما معنى كتمان طرق العمل والإجراءات الإدارية وعدم علم العموم بها؟
في ظل هذه الوضعية يصادر حتى حق الرئيس او المدير في معرفة ما يجري بمرفقه ففي إطار التواطؤ وظروف وملابسات يتم التستر وعدم الكشف وإخفاء العديد من المشاكل التي تجري داخل مرفقه، والتي لو كشفت ستؤدي إلى تهديد مصالحها وتوجهاتها، في الوقت الذي كان يمكن ان تدرس وتحلل وتقترح الحلول الناجعة لها بكل بساطة.
سلوك العقليات هذا ادى إلى انفصام عن قضايا المجتمع الإداري، الاقتصادي والاجتماعي والثقافي والاخلاقي والقول بالمجتمع الإداري جاء فقط نظرا لكثرته وتشعبه وصورية فهمه واستيعابه مما أدى إلى انغلاقه في وجه الباحثين.
فسبر أغوار الإدارة العمومية من لدن الباحث تعترضه صعوبات وعوائق:
• عوائق قانونية،
• عوائق نفسية: مخافة الإفصاح عنها يؤدي إلى المس بمراكزهم.
• عوائق تقنية: غياب الأرشيف وتنظيمه.
كانت نهاية الاتحاد السوفياتي، نهاية عالم ونهاية توجهات وأفكار وفلسفة ونظام سياسي واقتصادي، كان السبب الرئيسي فيه يعود إلى السرية الصارمة وعدم فتح المجال أمام بعض الفعاليات التي كانت تنادي بالإصلاح والتغيير، بحيث لو تم الإفصاح عن فضائح النظام السوفياتي السابق والعقليات التي كانت تشرف وتؤطر واطلع عليها الرأي العام وعرضت على الباحثين، لأثر ذلك على المجرى الطبيعي لصيرورة الأحداث فيه. فالعقليات الإدارية تتمسك وتفاخر بان أسلوبها هو الأحسن، حتى لا يسمع عنها الفشل الشيء الذي يؤدي إلى:
• غياب التواصل مع الإدارات، على اعتبار أن المعلومات تدخل في إطار الاسرار المهنية.
• النظر إلى البحث الجامعي لفائدة الإدارة بمنظور انتهازي، وعلى أنه يبقى مجرد عملية استشارية.
• غياب برامج إدارية لتكوين الأطر والتكوين المستمر.
وهكذا خلقت الإدارة هالة حول نفسها تحت غطاء السر المهني فسار العمل والنشاط الإداريين بعيدين كل البعد عن الشفافية والمصداقية.
السر في المجالات الاستراتيجية، كالأمن والدفاع
أولا: السر في المجالات الحيوية:
يمكن اعتبار كل الأنشطة الحيوية للدولة محل سر مهني، حيث يتعلق الأمر بالمصالح العليا للوطن، والتي من شأن الاطلاع عليها من لدن العموم، وأي عموم! فارتفاع نسبة الجهل والأمية، يؤدي لا محالة إلى تسريبها إلى أيدي تريد المس أو تستطيع المس بالأمن الداخلي للأفراد، والوحدات الصناعية ومراكز البحث العلمي والتكنولوجي أو التي تمس بالأمن الغذائي. ولكن المنع يهم فقط الأجانب من خلال الاطلاع عليها أو تصويرها، الشيء الذي يتنافى وضرورة أمنها، صحيح أن الدول المتقدمة من خلال أقمارها وتقدمها في هذا المجال تعرف الكبيرة والصغيرة عن البلدان المتخلفة، لكن نحن لا نفكر يوما في مواجهة هذه الدول العظمى، ولكن على الأقل تلك الموازية لنا في القوة. ويشمل السر كذلك السدود، مرافق ومصالح الدفاع الوطني، وبعض الأنشطة الأخرى التي تقوم بها بعض الجهات كإجراءات روتينية إعلامية حول مراقبة أنشطة بعض الاجانب، أو أنشطة أفراد يمكن ان تمس تصرفاتهم، حقوق وحريات آخرين. وهذا يدخل في اختصاص الدولة، حيث تنازل الأفراد عن جزء من حرياتهم مقابل حمايتهم وتحقيق أمنهم.
يعتبر التطور التاريخي للفكر السياسي هو امتداد للفكر الأسطوري: الأسطورة كانت أول شكل من التفكير استطاع الأفراد التميز به عن الآخرين، حيث كان يتم عزل التنشئة وتلقينها فن الأسطورة وحينما يتكونون يصبحون يتميزون بالحكمة أو مالكيها، وهؤلاء تناط بهم مهمة حماية حقوق وحريات الأفراد وتأمين عملهم داخل المجمع، والذين يتميزون عن العامة.
ثــانـيــا: السر في مجال الأمن والدفاع الوطني
يمكن تصور السر المهني في بعض المجالات الحيوية التي يمكن أن نسميها بالمجال الاستراتيجي المحفوظ كالدفاع الوطني. وهذا لا يعني أنها تعمل خارج الشرعية والمشروعة؛ فرغم عملها السري فهي تخضع لضوابط قانونية وتنظيمية وأخلاقية.
كباقي أجهزة الاستخبارات العالمية؛ التي تتولى السهر على المصالح العليا للبلد؛ سواء تعلق الامر بجهاز استخباراتي خارجي او داخلي او حربي او اتصالاتي أو حتى صوري، جغرافي او مكاني؛ بلدنا يتوفر كذلك على اجهزة في هذا المجال، منها على سبيل المثال: تحت الاشراف المباشر لوزارة الداخلية؛ نجد المديرية العامة للشؤون الداخلية، مديرية الاستعلامات العامة، وتحت إشراف القوات المسلحة الملكية نجد :المكتب الثاني والمكتب الخامس والدرك الملكي.
المديرية العامة لمراقبة التراب الوطني، هي مؤسسة تتولى السهر على مراقبة كل ما يتهدد المغرب من الداخل من عمل إرهابي وتجسسي وعصابات منظمة في التهريب بأشكاله في الاسلحة والمخدرات وكل ما من شأنه تشكيل خطر على الافراد والجماعات.
المكتب المركزي للأبحاث القضائية، التابع للإدارة العامة لمراقبة التراب الوطني، الذي يتولى البحث والتحري والتحقيق في الافعال الجرمية الخطيرة، من خلايا إرهابية وسرقة، وسطو، واتجار بالمخدرات والأسلحة.
المديرية العامة للدراسات والمستندات تتولى مهام حماية كل ما يتهدد أمن الأفراد والجماعات بالمغرب من مصدر خارجي، كالتجسس وتمويل العمليات الارهابية والعصابات المنظمة من الخارج والتي تستهدف سلامة المواطنات والمواطنين المغاربة. لها ارتباط مباشر بالمؤسسة الملكية.
صحيح ان هناك مجلات تنشر بعض المعلومات عن الدفاع، السلاح، عدد الجنود، التطور العسكري في القوة، لكن هنا يجب أن نتخذ الحذر من هذه المعلومات والمعطيات المنشورة التي لا تتصل بالحقيقة في شيء، فأحيانا، في الفهم العسكري، يراد بها التحرش أو الاستفزاز أو المغالطة، أو استعراض العضلات، فلا أحد يعرف أو حتى يستطيع التكهن بما يخفيه المستقبل، ومن يدري فجيل القرن 21 قد يعرف أنواعا من الأسلحة تفوق النووي والجرثومي و البيولوجي. فعسكرة الثقافة والعلوم والصناعة ومشاركة مثقفين في صنع قرارات استراتيجية عسكرية ادى إلى تطور البحث على الخلايا الدموية (ADN)، فيما إذا كان ممكنا تطور “أسلحة اثنية وعرقية” تؤثر على نوع محدد من الأجناس كالعرب والمسلمين في مواجهة اسرائيل. حينما تعرض خالد مشعل (أحد زعماء حركة حماس) لمحاولة اغتيال بالأردن، فإن الذي أنقده هو طبيب إسرائيلي، بحيث ان نوع السلاح الذي أصيب به، علاجه لا يوجد إلا عند إسرائيل المفتاح السري) ونفس الأمر لما قرأنا حول امتناع اسرائيل تزويد الزعيم ياسر عرفات بدواء الترياق لعلاج مادة السم التي تناولها!؟.
في المجال العسكري نميز بين عدة درجات من هذه الأسرار حيث لا يمكن تصور حتى البوح بادناها أي الثانوية فبالأحرى الرئيسية منها!؟
وهكذا فطبيعة النشاط المزاول في هذا المرفق تجعل منه مجالا محفوظا وفي الاطلاع على بعض الوثائق أو معرفة عدد الجيوش، او طرق العمل يعتبر في القاموس العسكري العالمي سلاحا فتاكا لا نظير له أو بمثابة تجسس يهدد الأمن الجماعي للأفراد وسيادة الدول.
إلا أنه مع ذلك هناك إمكانية لدراسة هذا المجال بعد فوات مدة معينة لمعرفة مدى تطور الأمن والدفاع الوطني والاستراتيجي عبر التاريخ أو خلال فترات معينة، كالجيش المغربي عبر التاريخ أو خلال القرن 19 او في فترة الحماية، لاستيعاب الدروس والاغتراف من التاريخ.
وإذا كانت عقلية الإدارة في سعيها لتحقيق الرفاه والعيش الكريم للأفراد يتنافى فعلا والسرية، فإنها تتماهى فعلا والعمل في إطار بيئة سليمة فكريا وصحيا تطبعها الشفافية والمصداقية.

