موجبات أهداف التنمية المستدامة،لكريستين لاغارد مدير عام صندوق النقد الدولي(الجزء2)

روتز لاند نيوز

2- البُعد الاجتماعي

وأنتقل الآن إلى البُعد العام الثاني في أهداف التنمية المستدامة – الإدماج، سواء بمعنى الحد من عدم المساواة في توزيع الدخل والمساواة بين الجنسين.

إن عدم المساواة في توزيع الدخل أصبح من أكبر التحديات في الاقتصاد العالمي. وقد شهدت بعض المناطق تقدماً هائلاً بالفعل في تخفيض الفقر وتوسيع الطبقة المتوسطة على مدار العقود القليلة الماضية. وتم تخفيض عدم المساواة بين البلدان، ولكن ليس في داخلها.

فمنذ عام 1980، أصبح أصحاب أعلى 1% من الدخول في العالم يحصلون على ضِعف مكاسب النمو التي يحصل عليها أصحاب أدنى 50% من الدخول. وعلى مدار تلك الفترة، شهدت الاقتصادات المتقدمة ارتفاعاً متزايداً في تباين الدخول، وهو ما يرجع في جانب منه إلى التكنولوجيا وفي جانب آخر إلى الاندماج العالمي وفي جانب ثالث إلى السياسات التي تعطي أفضلية لرأس المال على العمالة.

وثمة انعكاسات مثيرة للقلق، وخاصة في هذه الاقتصادات المتقدمة. ففي هذه الاقتصادات، يساهم تزايد عدم المساواة في تلاشي مجتمعات وأنماط حياة بالكامل؛ وتفكك عرى التماسك الاجتماعي واضمحلال الشعور بالمصير المشترك؛ وتنامي الاتجاه لشيطنة الآخر بدلاً من التشاور معه، والانكفاء على الداخل بدلاً من الشراكة.

ومن الطبيعي أن يؤدي هذا إلى صعوبة أكبر في التوصل إلى اتفاق حول أنواع السياسات والشراكات اللازمة لتحقيق أهداف التنمية المستدامة.

وليس غريباً أيضاً أن أبحاث الصندوق خلصت إلى أن تقليص عدم المساواة يقترن بنمو أقوى وأكثر قابلية للاستمرار.

ومن القضايا الأساسية في هذا الصدد أن عدم المساواة المفرط يمكن أن يقوض فكرة مجتمع الجدارة، لأن أقلية قليلة تحظى منفردة بفرصة الوصول إلى المزايا الكثيرة المادية والمعنوية اللازمة للنجاح – سواء كانت تتعلق بالتعليم أو الإثراء الثقافي أو العلاقات مع ذوي النفوذ. وهذا الاستبعاد، الذي يتحول بموجبه عدم المساواة في النتائج إلى عدم مساواة في الفرص، يلحق الضرر بالإنتاجية من خلال حرمان الاقتصاد من المهارات والمواهب التي يتمتع بها المستبعدون.

وهنا أيضاً، أعلم أن هيلين كانت تولي اهتماماً عميقاً لهذه المسألة – مجتمع الجدارة، الرغبة في ضمان قدرة كل فرد على الاستفادة من الفرص المتاحة وتحقيق إمكاناته الكاملة.

وكما قال مكسيم جوركي ذات مرة “الناس يعيشون على أمل مجيء شيء أفضل. ولهذا يجب أن نتفهم ظروف كل إنسان – فمن يدري ما بداخله ولماذا وُلد وماذا يمكنه أن يحقق؟”

وفيما يتعلق بالحد من عدم المساواة، تشير أبحاثنا إلى أهمية دور الاستثمار العام في مجالات كالصحة والتعليم ونظم الحماية الاجتماعية. ونظرا لحجم المشكلة، فإن للقطاع الخاص دوراً أيضاً في معالجتها. والواقع أننا في سياق التصدي للتحديات المصاحبة للثورة الصناعية الرابعة، علينا حث الأعمال على التفكير في سبل جديدة لتعزيز مسؤوليتها الاقتصادية والاجتماعية وتوسيع نطاقها.

وماذا عن البعد الآخر للإدماج – وهو المساواة بين الجنسين؟

الحقيقة المحزنة هي أن البنات والنساء في جميع أنحاء العالم لا يزلن يتعرضن لإهانات يومية تتمثل في التمييز والتحرش، وكثيراً ما يتعرضن للعنف أيضاً.

وحتى عند التركيز على البعد الاقتصادي وحده، نجد الأخبار صادمة. فحوالي 90% من البلدان لديها بعض القيود القانونية على ممارسة المرأة للنشاط الاقتصادي.

وهذا مجال آخر يؤدي فيه الإدماج إلى جودة الاقتصاد. فهنا في المملكة المتحدة، وكما نبهت هيلين نفسها في “استعراض هامبتون-ألكساندر” الشهير، سد الفجوات بين الجنسين من حيث المشاركة في سوق العمل من شأنه رفع إجمالي الناتج المحلي بنسبة تتراوح بين 5% و 8%.

وفي صندوق النقد الدولي، أوضحنا أن هذه القصة تتكرر في كل أنحاء العالم. ففي إفريقيا جنوب الصحراء، على سبيل المثال، تشير تقديراتنا إلى أن تقليص عدم المساواة بين الجنسين بمقدار 10 نقاط مئوية يمكن أن يرفع النمو بمقدار نقطتين مئويتين على مدار خمس سنوات. ولا شك أننا بحاجة إلى هذه الدفعة للنمو حتى ندعم أهداف التنمية المستدامة.

واللطيف في هذا الأمر هو أنه لا يتطلب إلحاق خسائر بالرجال. فإشراك عدد أكبر من النساء في النشاط الاقتصادي يتيح للاقتصاد الاستفادة من مواهبهن ومهاراتهن ومنظوراتهن الفريدة وآرائهن الخاصة. وهذا التنوع يدعم الإنتاجية، ويقود إلى أجور أعلى للجميع.

فكيف ندعم هذه الزيادة في المشاركة؟ في البلدان منخفضة الدخل على وجه الخصوص، هناك تدخلات أساسية تتضمن تقليص الفجوات بين الجنسين في الصحة والتعليم، ودعم الشمول المالي، والاستثمار في البنية التحتية، وضمان تحسين فرص الوصول إلى المياه النظيفة والمرافق الصحية. ويؤدي هذا إلى خلق حلقة مفرغة إيجابية – فالاستثمار في أهداف التنمية المستدامة ودعم تمكين المرأة يؤديان بدورهما إلى وضع الأساس اللازم لنجاح هذه الأهداف على نطاق أوسع. وفي الاقتصادات المتقدمة، هناك سياسات يمكن أن تساعد كثيراً في هذا الصدد، مثل الإجازة الوالدية وإتاحة خدمات رعاية الطفل بجودة عالية وأسعار في المتناول.

وهناك بُعد حيوي آخر، وهو الحاجة إلى دعم القيادات النسائية في عالم الشركات. وهنا أيضاً، تشير الأدلة إلى أن زيادة هذه القيادات يؤدي إلى نتائج أفضل – فهناك دراسة تفيد بأن إضافة امرأة في الإدارة العليا أو في مجلس إدارة الشركة يرفع العائد على الأصول بما يتراوح بين 8 و 13 نقطة أساس.

والواقع أن الصندوق أصدر اليوم فقط دراسة – يمكننا القول بأنها جاءت تكريماً لهيلين – تشير إلى أن زيادة نسبة النساء في مجالس إدارات البنوك في القطاع المالي ترتبط بزيادة الصلابة المالية. وفي نفس الوقت، نجد أن زيادة عدد النساء في مجالس إدارات أجهزة الرقابة المصرفية ترتبط بزيادة الاستقرار المالي. لكن الطريق لا يزال طويلاً – فعلى مستوى العالم، تشكل النساء أقل من خُمس أعضاء مجالس إدارات البنوك و2% فقط من رؤسائها التنفيذيين.

ونحن نعلم أن زيادة الآراء المتنوعة في مراكز القيادة تقلل احتمالات السقوط في مستنقع الفكر الجماعي والتحيزات اللاشعورية. وزيادة الآراء المتنوعة في مراكز القيادة تعني مزيداً من التعقل في صنع القرار وتركيزاً أكبر على الاستمرارية الأطول أجلاً. وأرى من الواضح أن أوضاع التمويل الحالية يمكن أن تستفيد كثيراً من زيادة التنوع.

وقد كانت هيلين تفهم كل هذا. وقد أشرت منذ قليل إلى “استعراض هامبتون-ألكساندر”، وهو من تركاتها العظيمة بالتأكيد. وفي هذا الاستعراض، كانت إحدى توصياتها الأساسية زيادة نسبة النساء في اللجان التنفيذية للشركات المدرجة في مؤشر فاينانشال تايمز 100 (FTSE 100) إلى 33% بحلول عام 2020، صعوداً من 26% حالياً. وخلصت إلى هذه النتيجة بأسلوبها البراغماتي الأسطوري – من خلال “تسليط ضوء على البيانات.”

وكما قالت ذات مرة في إحدى المقابلات: “إذا كنا جميعاً من نفس المجموعة، ننتمي لخلفية من نفس النوع، فغالباً ما سنتعثر في نفس المكان إذا ما واجهنا نفس المشكلة. أما إذا كانت خلفياتنا مختلفة ومهاراتنا مختلفة وتراثنا الثقافي مختلفاً، فسوف نخرج من المشكلات بسرعة أكبر.”

إن تجربة هيلين توضح أن ما قالته ليس مجرد كلمات جوفاء. ففي العقدين اللذين أمضتهما على رأس مجلة إيكونوميست –كما يعرف زاني جيداً، في الذكرى الخامسة والسبعين بعد المائة على نشأة هذه المطبوعة رفيعة المستوى – رفعت توزيعها من أقل من 400 ألف نسخة إلى قرابة 1.4 مليون نسخة أسبوعياً، في وقت كانت فيه مبيعات المطبوعات متراجعة في كل مكان.

ومن ثم فإن نقطتي الأساسية هنا هي أن نجاحنا في تحقيق أهداف التنمية المستدامة يتوقف على زيادة التنوع في عالم الأعمال – لتعزيز ديناميكية الاقتصاد والمساعدة على توجيه الأعمال والتمويل نحو الاستثمارات الأطول أجلاً التي يتطلبها النجاح في تحقيق هذه الأهداف. وهنا أيضاً، أشعر بالتفاؤل إزاء إمكانية تحقيق ذلك.