عن العيد “السعيد”…
روتز لاند نيوز _ إسماعيل عزام
كلما تذكرت أنني قضيت عيد الأضحى، للمرة الثانية في حياتي، خارج بلدي، ولوحدي، تنتابني جرعات من الألم. أيّ عيد تعيشه في الغربة، في بلد تفهم بالكاد نزراً قليلاً من لغته، حيث لا أقرباء ولا أسرة ولا عائلة. حيث يتحوّل الإنسان إلى كائن فردي يلتفت بالكاد لمن يقاسمونه تفاصيل حياته اليومية.
حيثُ تتعلّم أن عليك أن تعيش لنفسك ولأسرتك وتغلق باب بيتك.
لكن ما يحقق العزاء هو عندما تسمع معاناة آلاف المغاربة مع شراء الكبش بعدما عانوا في توفير ما يصنع عطلاتهم البسيطة. تسمع بالفكرة الذكية جداً للحكومة بصرف الأجور قبل موعدها بنصف شهر كما لو أنه حل سحري سينهي حالة الأزمة الاجتماعية، في حين أنه مجرد تأجيل للحرمان، عندما سيجد الموظف نفسه مضطراً تقريباً لانتظار شهر ونصف حتى يحين موعد أجرته القادمة. وفي هذا الشهر والنصف عليه أن يشتري لابنه ما يحتاجه من دفاتر وأقلام وملابس، أما الكتب، فحمداً لله أن ابنة الجارة ستصعد إلى الصف الموالي وستبيعها لابن الموظف المسكين بربع الثمن، بعدما اشترتها هي من ابنة عمتها بنصف الثمن.
ما يحقق العزاء أنك ستتوصل برسائل نصية جافة -سبق لك أن توصلت بها- من أشخاص لا يبادلونك أيّ ود ونسوا أن رقمك لا يزال في ذاكرة هواتفهم. أولئك الذين يتظاهرون أنهم لم يروك في مكان عمومي ما حتى لا يضطروا للسلام عليك. وإذا ما علموا يوما أن لديك مناسبة خاصة جدا، أقوى ما يفعلونه هو “جيم” على فيسبوك.
ما يحقق العزاء أنك ستسمع حكايات عن جيران لك احتال عليهم بائع في السوق وباعهم خروفاً كان يتناول حبوب منع الحمل حتى تتقوى عضلاته يوم البيع، ثم يتحول بعد الذبح إلى كومة من اللحم الفاسد. ستسمع حكايات عن ذلك الجد المسكين الذي نشله اللصوص في السوق، وعن تلك الأرملة التي باعت تلفازها لشراء كبش يُفرح بيتها، وعن ذلك المعدم الذي اشترى جَدياً هزيلا وحاول إقناع زوجته أن لحم الماعز مفيد للصحة!
ما يحقق العزاء هو تذكرك لساعات تجتمع فيها العائلة بصعوبة، بينما أغلب أفرادها يُمسكون هواتفهم الذكية جدا، لدرجة أنك لم تعد تحس فرقا كبيراً بين أن تلتقي قريبك في الواقع المادي وبين أن تكلمه على واتساب.
ما يحقق العزاء أن تتذكر كميات الأزبال والعفن التي تحتل الأرجاء بعد عمليات الذبح، خاصة عندما تجتمع جلود الأضاحي في ركن من الشارع وقد تأخرت شاحنات جمع الأزبال ولم يمرّ عليها من يجمعها ويبيعها.
عيد الأضحى مناسبة دينية جميلة، أفرحتنا كثيراً في طفولتنا، وبفضلها التقى شمل أسر وعائلات غابت عن بعضها عاما كاملا. لكنها بدأت تفقد طعمها بسبب سلوكاتنا وتضخم أمراضنا الاجتماعية وتحوّل العيد من طقس ديني-اجتماعي إلى توقيت لممارسة النفاق الاجتماعي بامتياز.
ليعد عيد الأضحى كما كان. بصفاءه وصدقه وتفرّده. فما أحوجنا لمناسبات ننثر فيها الفرح في أزمنة العتمة.
كل عيد وأنتم بألف خير.