تأملات على هامش الجدل القائم حول القاسم الانتخابي – الجزء الثاني –

بقلم : سعيد مبشور

يصر حزب العدالة والتنمية في رفضه لتعديل القاسم الانتخابي على ترويج نظرية مفادها أنه المستهدف الأول من هذا الإجراء، إذ يتخوف الإخوان من أن نتائج الانتخابات المقبلة في حال إقرار التعديل ستقود إلى تقليص عدد ممثليهم في البرلمان بنحو 30 نائبا حسب ما أفادت به بعض التسريبات، وبناء على ذلك اعتبر الحزب التدخل في الصيغة الحالية للقاسم الانتخابي ضربا للمسار الديمقراطي !
بينما تنوعت تبريرات باقي الأحزاب حول تعديل الصيغة الحالية للقاسم الانتخابي بين اعتباره إسهاما في تحقيق عدالة غائبة في المنظومة الانتخابية، بفعل الإقصاء المتوالي للأحزاب الصغرى، وكون إفراز النتائج لنفس الخارطة سيفضي إلى الإبقاء على هيمنة حزب البي جي دي على المشهد الانتخابي ما يكرس بالضرورة استمرار العدالة والتنمية في قيادة العمل الحكومي، في حين اعتبر البعض أن التعديل وسيلة للحفاظ على المسار الديمقراطي وليس للإجهاز عليه كما يدعي إخوان العثماني.
وبين هذا وذاك، تم حصر النقاش حول الإصلاح الانتخابي في هذه النقطة فيما تعاني المنظومة الانتخابية من أعطاب أخرى كثيرة، مثل مسائل تشكيل لجنة مستقلة للإشراف على العمليات الانتخابية، ومراجعة التقطيع وإقرار التسجيل التلقائي عند بلوغ سن الرشد وتجديد اللوائح الانتخابية عبر تنقيحها من الشوائب ورقمنة التصويت كليا أو جزئيا مع ضرورة إيجاد صيغة لمشاركة فعالة للشباب والنساء ولمغاربة المهجر، وغيرها من النقاط العالقة ذات الطابع التقني والإجرائي، هذا دون الحديث عما أعدته هذه الأحزاب من برامج قادرة فعليا على إخراج البلاد من مآزق الأزمات الاجتماعية والاقتصادية القادمة لا محالة من جراء تداعيات انتشار جائحة كوفيد 19.<br>
أفلا يعد النقاش الحالي تحريفا للرهانات الحقيقية للاستحقاقات القادمة ؟ وكيف لحزب مثل العدالة والتنمية أن يعتبر أن تغيير بعض القوانين الانتخابية مسا بالمسار الديمقراطي برمته ؟ هل المسار الديمقراطي مرتبط بمصالح هذا الحزب وتبوئه لمركز الصدارة ؟ وماذا سيكون رد فعل الحزب إذا فرض عليه باسم المصلحة الوطنية قبول تعديل القاسم الانتخابي ؟ ألم تلجأ دول أخرى إلى خيارات أكثر اتساعا في احتساب القاسم الانتخابي دون أن تمس بخيارها الديمقراطي ؟ وأسوق هنا المثال البريطاني حيث تم إبداع صيغة سانت ليغو الشهيرة والتي تم نطويرها عبر السنين فضلا عن وجود نماذج غيرها تطبق في العديد من بلدان العالم.
ثم إن الأحزاب الأخرى مجتمعة مسؤولة بدورها عن الوضع السكوني الذي وصل إليه المشهد السياسي، إذ إنها ورغم الإمكانيات الهائلة الموضوعة رهن إشارتها، لم تستطع اختراق الكتلة الانتخابية التي يسيطر عليها البي جي دي، ولا تكاد تجد لها أثرا طيلة سنوات ما بعد الانتخابات، في الوقت الذي تنتشر فيه الجمعيات وخلايا الأحياء ومنتديات الشباب والنساء ودينامية القطاعات الاجتماعية التي يرعاها حزب العدالة والتنمية وروافده الدعوية، حتى إذا حان موعد الاستحقاقات انبرت هذه الأحزاب للتشدق بشعارات بعيدة كل البعد عن العمق الحقيقي لأزماتها على مستويات الخطاب والتنظيم.
وفوق هذا المشهد اختارت الأحزاب المهيمنة على الخارطة الانتخابية الصراع على واجهة القاسم الانتخابي باعتباره أداة حاسمة في توزيع المقاعد خلال الاستحقاقات القادمة، بدل التركيز على الإبداع في تحويل المحطة الانتخابية المقبلة إلى معبر نحو تجاوز الأزمة الاجتماعية والاقتصادية الحادة المنتظرة خلال السنوات القادمة.
(يتبع)…