كل شعب بأفراحه وآماله وأحزانه وآلامه، يطمح إلى أن يعرف أكثر، ويكون له وجود أحسن وقيمة أفضل
د. عبد الله شنفار / المغرب نيوز
كل شعب بأفراحه وآماله وأحزانه وآلامه، دائما يطمح إلى أن يكون لديه أكثر ويعرف أكثر، ويكون له وجود أحسن وقيمة أفضل.ان تقييم عمل شخص في سن الأربعين من المفروض، نظريا، ألا يخرج أو يتجاوز محاولة البحث عن التوازن في مواطن الضعف والقوة فيه، أي التوازن في مواطن الضعف والقوة في التنمية الإدارية المحققة.
وحينما نقول “بالأربعينية”، من “المنظور الديني” و الثقافة الشعبية، فإن ذلك يحيل إلى أن الجراح بدأت تلتئم من جراء فقدان عزيز على النفس، حيث لا يغدو أن يكون الأمر مجرد تذكر لذاكرة النسيان. ومن منظور الطبيعة، فإن انتهاء أربعينية “الصمايم” أو “الليالي”، تعني ذهاب حر الصيف الشديد وبرد الشتاء القارص.
“فالأربعينية” لها مخيال يحيل إلى نهاية حالة تأزم.
ومن المفارقة أن تكون “أربعينية” عقلية الإدارة المغربية هي في الحقيقة تراوح حالة التأزم هذه. حيث لا يستطيع المرء إلا أن يمضغ اليأس ويتجرع اللوعة ويجتر الذكريات، حول حالة عقلية الإدارة المغربية في تغطية متطلبات التنمية.
والقول “بالأربعينية” جاء فقط من زاوية القطيعة التي أحدثتها “الحماية” في الصيرورة التاريخية للمغرب. أما الإدارة فتؤرخ لقرون عديدة بالمغرب الذي ظل دائما محافظا على استقلاليته، ولم يخضع لأية قوة أجنبية حتى حدود 1912.
إذن سيكون من باب التعسف حصر الإدارة المغربية في أربعين سنة.
فالمجتمعات في العالم اليوم منخرطة في خيار إصلاح وتغيير أوضاعها وهياكلها وآليات تسييرها. مما يحتم طرح السؤال حول كيفية اشتغال الآلية السياسية بالمغرب ؟، وماهي المعوقات البنيوية التي تحول دون أن ينخرط المغرب في اللحظة التاريخية، أي حركية القرن21؟ وكيفية إعادة النظر في آلية الاشتغال هذه؟
نحن نعيش إشكالية الإصلاح والتغيير سياسيا واقتصاديا واجتماعيا وثقافيا وحضاريا.
والإصلاح الإداري بالمغرب ليس وليد اليوم، ولكن المناداة بالإصلاح كانت منذ الأمس البعيد. يكفي الرجوع إلى القرن التاسع عشر لاستنتاج العبر حول محاولات الإصلاح وطبيعتها وواقعيتها وحدودها.
“فالتاريخ يعيد نفسه”، حيث نفس المشاكل التي واجهت الاصلاح الإداري في تلك المرحلة، تقارب إلى حد كبير، المشاكل التي تواجهه حاليا.
فعلى المستوى الداخلي، وعلى الرغم من وجود اتجاه قوي أحس بضرورة الاصلاح، تمثل في المولى الحسن الأول، إلا أن سلطة المخزن/ الإدارة كانت تعاني باستمرار من معارضة عدة هيئات لها، في أغلبها مصالح اقتصادية واجتماعية وحتى سياسية في بعض الأحيان، حيث إن طبيعة التركيبة القبلية شكلت عائقا في وجه الوحدة السياسية وبناء نسق سياسي، والتي زاد في تكريسها تصرف موظفي وأعوان المخزن حيث اغتصاب أموال وممتلكات الرعايا الموجودين تحت سلطتهم من جهة -وهي نفس الصورة التي لازالت تعمل بها عقلية الإدارة المغربية في اختلاس وسوء تدبير المال العام-، وردود الفعل من طرف الرعايا آنذاك ضد هذه السلوكات والعقليات، من جهة ثانية.
أما على المستوى الخارجي آنذاك، فنجد قوى أجنبية ذات مصالح بالمغرب كما هو الشأن بالنسبة للتجار البريطانيين الذين احتجوا لدى حكومتهم على السياسة المتبعة وقتئذ من طرف المغرب في ميدان التجارة واعتبروها فاشلة وعتيقة ومضرة بمصالح البلدين لكونها تقوم على المنع والاحتكار والتعرفة الجمركية المتقلبة والعالية في أغلب الأحيان. وهي نفس الصورة الحالية، حيث ارتباط سياسة التقويم الهيكلي والمالي بالمؤسسات المالية و البنكية العالمية. وكذا صعوبة المواجهة مع المراكز المتقدمة.
فإذا كانت الإدارة مركز تحولات تقنية واستراتيجية يمكن مقاربتها من خلال عملية حسابية اقتصادية، من زاوية المردودية، إلا أن عقلية الإدارة المغربية تعاني من عوائق تحول دون ذلك والتي يمكن إجمالها في التالي :
– غياب التواصل بين مختلف الفاعلين من فئات المجتمع، وسيادة نوع من الحوار، إما في شكله الصاعد ascendant، في إطار التملق والنميمة ( زبانية الرئيس الرئيس)، أو في شكل العنف الاجتماعي والنقابي (الإضراب القطاعي مثلا). وإما في شكله النازل descendant، أي من جهة أعلى الهرم في السلم الإداري حيث يفرض توجهاته وقراراته في غياب مشاركة الكل، أو دون الأخذ بعين الاعتبار وجهات نظر الأقلية، كما هو الشأن بالنسبة للأحزاب والمنظمات داخل مجلس النواب، أو بالنسبة للمجالس الجماعية أو مجالس المؤسسات العمومية في إقصاء مشاركة الأقلية وغياب التنسيق الأفقي والعمودي، بين أعضاء نفس الإدارة وفي علاقة باقي الإدارات والمرافق بعضها ببعض.
– غياب تقييم لعمل العقليات الإدارية، من خلال الحوافز والمراقبة، فالعقلية الإدارية التي تنتظر نتيجة معينة من عملها لا محالة ستشجع على العمل والعطاء أكثر. وهذا نوع من التأثير النفسي في اكتشاف انفعالات وردود فعل الأشخاص ومعرفة ماذا يحرك العقليات الإدارية؛ هل الصالح العام ؟ هل الحوافز وتلبية حاجياتهم ؟ هل عين الرئيس، من خلال المراقبة والتواصل اليومي ؟ … وكلها متناقضات يجب التوفيق بينها.
الإدارة لا تشكل إلا وسيلة للارتزاق تساعد على تلبية الحاجيات التالية في شكلها الهرمي: حاجيات كمالية، حاجيات اعتبارية، حاجيات اجتماعية، حاجيات للضمان وحاجيات نفسية.
قليلة جدا تلك العقليات الإدارية التي استطاعت أن تطبع تاريخها في مجال الإدارة، موزعة على مختلف المرافق والقطاعات، ومع ذلك لا ولم يتم انصافها، وهي التي تتواجد في أدنى السلم في غالب الأحيان، حتى حصولها وإحالتها على التقاعد.
– (…) إلى غير ذلك من مواطن الضعف.
ان العمل في إطار هذه العقلية لا يسمح باللحاق والدخول في منافسة حقيقية في إطار العولمة واقتصاد السوق؛
فالمراكز المتقدمة تقوم على أساس الاقتصاد التراكمي القائم على عنصر الاستقطاب الذي تتحكم فيه اجهزة الانتاج الضخمة والمؤسسات الإدارية و البيروقراطية والاستهلاكية والاعلامية والتي تستطيع التأثير في الرأي السياسي، في الرأي العام وتتحكم في التوجيه الاقتصادي والضبط الاجتماعي، من خلال توحيد الحاجيات البشرية وتقنين وتنميط السلوك أو التسوية بينهما عن طريق عملية الإنتاج السلعي الضخم وصناعة السوق والاستهلاك على أوسع نطاق من خلال شركات الانتاج ووكالاتها التي تتوزع على المستوى العالمي. أمام هذا الوضع لا تستطيع اقتصاديات البلدان الأكثر تخلفا إلا الوقوف موقف العاجز إزاء المنافسة القائمة والحادة وأساليب الاحتكار السائدة هذه والعلاقات الاقتصادية غير المتوازية. أو موقف التابع كما هو الشأن لكل هذه البلدان في ظل الوضعية الراهنة. أو المتكيف مع متغيرات الظرفية الاقتصادية العالمية.
أمام هذا السلوك وهذه التقنيات المسيطرة التي تستطيع التأثير في كل شيء، يبقى على عقلية الإدارة المغربية أن تفكر في نوع من التكويم الاقتصادي على أساس رأسمال تراكمي المعتمد على الذات ومنبثق من الباطن، بحيث يبقى في منآي عن التبعية، والتي في حال رقيه وتطوره يبقى غير مرتبط بتقلبات الرأسمالية العالمية، كما هو الشأن بالنسبة للأزمة النقدية الحالية لكوريا الجنوبية نظرا لتبعية وارتباط تدويل عملتها وسياستها النقدية بهذه المتغيرات.
فعلى عقلية الإدارة المغربية ألا تفكر في منافسة هذه المراكز الضخمة، بقدر ما منافسة تتقوقع على متطلبات التنمية الوطنية، من خلال الاعتماد على الذات والذي يرتكز على المقاولة، التي بدونها لا يمكن الحديث عن تراكم اقتصادي أو تكويم رأسمالي، ليست المقاولة الكبرى التي تتجلى في الدولة، ولكن المقاولة بمفهومها الحديث التي تتجلى في مقاولة الجماعات الترابية الجهة، والخواص، في إطار الشراكة أو المنافسة بينها أو بين الخواص، يبقى المهم هو المساهمة في ثروة البلاد ورأسمالها. لأن الثروة والرأسمال سواء كان فرديا أو جماعيا، فإنه يساهم بشكل أو بآخر في التنمية.
فالمنافسة تتطلب سيادة فكر وعقلية المقاولة، كفهم حديث أصبح يتنافى فعلا وسيادة الاقتصاد الاقطاعي والسياسي أو في شكله العائلي وغياب محيط المقاولة وسيادة الاستثمار الطفيلي والاستهلاكي على الخصوص.
– فالدخول في اقتصاد السوق يفترض بالضرورة اتخاد مجموعة إجراءات متكاملة ومنسجمة في شكل سياسات نقدية وتجارية وإدارية … تهدف بالأساس التحول من اقتصاد متمركز على الذات، أي موجه نحو السوق المحلي الداخلي، والذي يكتفي فقط بتصدير الفائض من المنتجات إلى اقتصاد يقوم على المنافسة الحرة وتحكمه قوانين السوق. وذلك عن طريق إعادة هيكلة جميع المؤسسات الإنتاجية، سواء التي توجد في ملك الدولة أو التي في ملك الخواص، بهدف تطويرها وفعاليتها في رفع الإنتاج حتى تستطيع مواجهة المراكز المتقدمة، وبالتالي تساهم في إغناء الثروة الوطنية.
لكن في نفس الاتجاه يجب أن يصاحب هذا الإجراء، إجراء آخر مشروط به ويتجلى في تعديل العديد من النصوص والتشريعات القانونية التي تقف في وجه الاستثمارات وتوظيف الأموال.
– كما أن تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية يتطلب عقليات إدارية كفؤة وفعالة، ويقتضي ذلك إدخال إصلاح شامل يقوم على تعريب الإدارة وتوضيح مختلف الوحدات الإدارية وتبسيط مساطرها ودعم القضاء وتهيئ الدهنيات لتقبل تطوير الإدارة.
لكن مع ذلك، فقد استطاعت هذه العقلية تغطية العديد من المتطلبات التنموية.
فعلى المستوى السياسي ؛ حيث الانفتاح السياسي والتعددية السياسية والتقدم الحاصل في احترام حقوق وحريات الأفراد كالحق النقابي والحق في الإضراب والتسويات السياسية، كان آخر نتائجها التجربة الحالية للتراضي من خلال تناوب البرامج الحزبية، وانتخابات نزيهة نسبيا، أي وضع أحسن من التجارب السابقة على الأقل، والتي أدت إلى حياد الإدارة والذي أطلق عليه البعض “الحياد السلبي”، لكن في الحقيقة الخلل يكمن في المتنافسين الذين استغلوا فقر وضعف وجهل المواطن بإعطائه الأموال وشراء صوته.
كما أن الانفتاح السياسي أدى إلى التداول في كل ما يتعلق بالشأن العام، سواء في إطار البرلمان أو التجمعات أو الندوات إلى غير ذلك.
أما على المستوى الاجتماعي، فعقلية الإدارة حاولت تطوير الفرد والمجتمع ، من خلال البنيات التحتية التي شملت العديد من المجالات. وفي اتجاه آخر إقرار الحوار الاجتماعي بين جميع الفئات.
وبالتالي فالسيطرة أصبحت شيئا فشيئا مجهولة سياسيا واجتماعيا، على الأقل مقارنة بالعقود التي تلت عهد الاستقلال.
أما على المستوى الاقتصادي، فإن المغرب يضرب به المثل في التلميذ الجيد الذي استطاع التوفيق بين ضغوط سياسة التقويم الهيكلي وضغوط متطلبات التنمية في البلاد، حيث استطاع على الأقل اتباع سياسة مالية ونقدية تضمنت مرونة معينة في تعبئة المتاح من موارده الطبيعية والمالية.
وبالفعل، فعلى الرغم من سياسة التمويل بالعجز فقد استطاع أن يصل النمو الاقتصادي حتى حدود 11%، كما استطاع في ظل هذه السياسة تحقيق مشاريع منطقيا لا يمكن تصورها إلا على المدى الطويل، كسياسة السدود مثلا. بالإضافة إلى شق العديد من الطرق وفك العزلة عن العالم القروي ومده بالكهرباء والماء الصالح للشرب في إطار برامج الكهربة الشاملة للعالم القروي [PERG]. إلى غير ذلك.
كما بدأ الاهتمام بمتطلبات حماية البيئة، وتوفير بيئة سليمة ومناخ عام يسمح بالعيش والتفكير والتعبير.
كل هذه المنجزات في ظل ضغط متطلبات الوحدة الوطنية وقضية صحرائنا.
إلا أنه مع ذلك كل شعب بأفراحه وآماله وأحزانه وآلامه، دائما يطمح إلى أن يكون لديه أكثر ويعرف أكثر، ويكون له وجود أحسن وقيمة أفضل.