فصل المقال في ما بين المغربيتين من اتصال أم انفصال..؟..المناسبة شرط..
الدكتور عبد الإله الرابحي
كثر الكلام في الآونة الأخيرة عن نوع أدبي يدعى ” الزجل “، وتبادل ” الخصمان ” شبه الكلام، والكلام المضاد، وسال مداد أسود حينا وأحمر أحيانا، وقال البعض كلاما وغلّفه بنعومة مفرطة ، واعتبره البعض الآخر ضربا تحت الحزام ، وكثر الكلام ، والكلام من عادته أن يلد كلاما ، وهكذا دواليك الى ان اختفى الكلام الأول ،وانضاف للسلسلة الاسنادية رواة جدد ، وبنيت نتائج عن مقدمات اخفاها الكلام ،وكثرت الاستشهادات ،والاستشهادات المضادة … وتتالت الحجج والحجج المضادة ، وآمن الجميع ، من حيث لا يدري أن النقاش مبني على قاعدة صحيحة ، فسلم بالنتيجة واعتبرها هدفا لا غبار عليه ، وما عادت تحتاج الا الى حكام عاقلين يحسمون الأمر بين جناحين لا ثالث لهما ،بل صار البعض الى تطييب الخواطر وجبرها ، وانغمس في فلسفة الاختلاف ومنطق الخلاف ، وبنى صرحه على آن الابداع انما وجهات نظر من حقها الاختلاف ، وقال البعض انما ينبغي ” نعل الشيطان ” الذي وسوس في الخواطر ليخلق الفتنة بين أهل الكلمة المزجالة لغيرة منه في ما حققه هؤلاء الشعراء من اتتصارات في غزوات خارج الحوش وداخله ، و” الشيطان” من عادته أن يحسد ، ويخلق ” البلبلة ” . وبالنتيجة اسفر الكلام وشبه الكلام عن تصنيف ما أنزل الله به من سلطان بين فريقين ، أحدهما تخندق في “الكلاسيكية” ،وأصبح مدافعا عنها ، والآخر تبنى ” التجديد ” وأصبح منافحا عنها ، ولو التفت كل فريق الى ما بين يديه ، وأمعن فيه النظر ، لتبين أن التسمية أكبر بكثير من المسمى ، وأن التصنيف باطل من أساسه ، وما بني على باطل فهو باطل .
متلازمة نارسيس:
دأب الفكر العربي، بولادة قيصرية، للفلسفة الغربية، على تبني ثنائيات مغلوطة من أساسها، وأصبنا للأسف بالعجز على وصف الواحد الا بحضور الآخر ، وشاعت في الثقافة العربية أن الأشياء بضدها تعرف ، وأصابتنا حمى أرسطو حين قال أن تعريف الواحد مستحيل حتى أنه كلما زاد التعريف انفلت الواحد عن التعريف ، فكان مما كان أن أصيب نارسيس العربي بشكل مقلق بهوس تعريف نفسه بنفسه دون الحاجة لغيره ،فخلق من نفسه آخر يعرف به نفسه . ولنا في التصنيف التاريخي بين أهل الثرات وأهل الحداثة في شتى حقول المعرفة خير دليل . فاستشرى الوهم وبنى على مخرجاته نتائج، ومن فرط تكرارها صدّقها ونام عليها ، وكأننا بالفعل أمام صراع حقيقي بين ماضويين ومستقبليين .
وفي هذا السياق أستحضر حوارا كان أن خصصت له إحدى المجلات عددا خاصا بين الإسلاميين والعلمانيين، وطال الحوار وشبه الحوار، ولم يسفر الا على إسلاميين أكثر حداِثة وعلمانيين أكثر تدينا ، وبدا آخر المطاف ألا فرق بين الرايتين .
فهل يكفي الحديث عن الفرس ، وعن الخيمة ، وعن البخور ….لأكون تراثيا أو كلاسيكيا أو سلفيا أو ماضويا أو ما شاء الله من النعوت التي ألصقها أهل الحداثة.؟
وهل يكفي أن أتحدث عن الحديقة أو القطار …أو القُبلة … أو الخِصر لأكون حداثيا أو علمانيا أو ثائرا أو مجددا … وأن يقول عني أهل السلف مالم يقله مالك في الخمر؟ فكان أن تلذذ كل فريق بما نعته به الفريق الآخر ، فتجذر الوهم ، واعتقدنا أننا حققنا بالفعل ما كنا نصبو اليه من تصنيف يوهم نوع كتابتنا أنه بالفعل قد حقق مبتغاه ، وصار بوسعنا الحديث بصدق عن مدارس قائمة بذاتها ، لها مقوماتها العلمية ومنهجيتها التطبيقية التي تجعل من نفسها كيانا مستقلا يعبر بالفعل عن رؤية متكاملة لذاتها وللعالم من حولها وللكون كسؤال لوجودها .
فلا فرق عندي بين من يتحدث عن رقصات كناوة، وبين من يتحدث عن الشطحات الصوفية، ولا فرق عندي بين من يتحدث عن ” الخلخال ” في ساق عويشة ،وبين من يتحدث عن القرط في أذن الأميرة النائمة ، ولا فرق عندي بين من يستلهم كلامه من الكلام المكمول لسيدي امحمد البهلول ومن يتحدث عن مرتبة القطب الرباني في المعارج الروحانية ، ولا فرق عندي بين من يستلهم كلامه من “القصيدة المعشوقة” وبين من يلوم “حرفه “…. وهلم “جنان مخفية ” ، وهلم ” حدائق معلّقة ” …. والحديث في الأمثلة دون شجون.
انه الأمر الذي، في تقديري ٬ نتجت عنه الرداءة التي أصبح يشتكي منها القديم والجديد على السواء ، إذ أصبح من اليسير لكل ذي وقت فارغ أن يمسك قلما ويكتب عن “الخيل” أو عن ” الأرض القاحلة ” أو عن ” الأم الحنونة” أو “الحبيبة المفقودة” أو عن ” أمواج البحر ” أو ” الأحمر في الشفاه اللعوب ” فيحمل حقيبته و يصبح زجالا في سبعة أيام ، وكان أضعف الايمان أن قلنا انما هو سطوة ” النموذج ” ، وسلطة الشيخ على مريديه.
هذا وقد جرى العرف الثقافي أن من يتشيّع لمفردات اللغة العربية فهو المحافظ المتشبث بالمقدس العربي. وقد جرى نفس العرف أن من يستعمل الدارجة القحة هو المارق المتمرد، فما بال القضية معكوسة في الحكاية الزجلية المغربية؟!
لقد كنا في زمن مضى نقول كل من زجّل تزندق، وكل من كتب زجلا انما يحمل موقفا من قضية أكبر بكثير من هذه الزوبعة في الفنجان، فكيف تمرّد المتمرّد على المتمرّد أم هي من علامات الساعة ؟!
المصادرة على المطلوب:
آفة هذا النقاش المفتعل أنه مجرّد مضيعة للوقت والجهد، وأنه في الوقت الذي كان ينبغي التفكير في تنظيم التجربة، وإنضاجها على نار هادئة ، والعمل على دعمها ، والمساهمة في ورشاتها ، واستحضار ماضيها ، والمراهنة على مستقبلها ، وبناء نمذجة نسبية لها مبنية على أسس علمية تستفيد من مستجدّات الدرس البلاغي العربي القديم ، وأحدث النظريات الأدبية الغربية ، دون الوقوع طبعا في اسقاطها على التجربة الزجلية لأنها ، في تقديري تجربة خاصّة تستحق منا جميعا أن نجتهد لها في بلاغتها الخاصّة .
آنه الحلم الذي راودني منذ أن استهوتني التجربة لكن جرت بعض الرياح بما لا تشتهي بعض السفن. ولن يكون هذا التصنيف المتوهم الا تجليا بسيطا لما اشتهته تلك الرياح، والقادم في زمن الرداءة أفظع.
بالمناسبة أحيل الاخوة الى العمل الجبار الذي يقوم به صديقنا الباحث عبد المجيد جحفة باعتماده على معيار العربية المغربية والعربية المعيار في المقارنة بين اللسانين .