التجسس والتحسس وجمع المعلومات والإخبار والاستخبار والتخابر؛حرب المعلومات في العصر القديم والحديث la guerre cybernétique

الدكتور شنفار عبدالله

الدكتور شنفار عبدالله

ماذا يقصد بالحرب المعلوماتية أو حرب المعلومات؟ هذا السؤال المرتبط بسؤال ابستمولوجي آخر وهو العلم أو التكنولوجيا إلى أين؟ وعلى ماذا يعتمد هذا النوع من الحروب؟ ما معنى تطبيق واتساب الذي بيع بحوالي 20 مليار دولار أمريكي؟ هل هذا ثمن التطبيق الذي يتم تحميله بالمجان؟ أم ثمن ما يحمله من معلومات حول ملايين الأشخاص في العالم بمختلف لغاتهم وديانتهم ومعتقداتهم وصورهم؟ ما معنى تطبيق فيسبوك؟ ما معنى تطبيق تويتر؟ هذه الوسائط هي عبارة عن تجارة جني الملايين من الدولارات يوميا من خلال الرسائل القصيرة وفتح وولوج مختلف الروابط الاليكترونية. بالإضافة الى معرفة نوع الاختيارات لدى الافراد والشعوب من ملبس ومأكل ونوع الماركات المفضلة… وغيرها؛ وبذلك تعمل شركات عظمى وكبرى على تنميط السلوك الاستهلاكي لدى الافراد؛ طريقة وشكل تناول مشروب كوكاكولا مثلا الذي لا تختلف طريقة إشهاره بشكل موحد عبر أنحاء العالم.
ما هو الدور الذي تلعبه أجهزة المراقبة في مختلف الدول؟ من جهاز أمن ومدرسة ومؤسسات سجنية؛ وغيرها…من الأجهزة التي تتولى حماية المواطنات والمواطنين وحماية أوطانها وحدوها واقتصاداتها ومصالحها؟ ما هي نظرة المواطن لهذه الأجهزة ولماذا يختزل دورها في كلمة جاسوس او بركاك، وإلباس الكثير من العيوب بها وكأنها في عالم الغاب الذي تسود فيه الملائكة ويخدمها أو تحكمها الشياطين؟ هل الوسائل التكنولوجية المتطورة كافية للاستغناء عن جنود الخفاء المشاة في الارض والميدان؟
ما هو الدور الذي تلعبه المعلومة في حياة الأفراد والجماعات؟ فكم مرة أصيب مشروع بانتكاسة؛ وكم مرة أصيب مشروع قومي بإحباط؛ لا لشي؛ فقط في غياب المعلومات الكافية؛ أو في تأخر وصول المعلومة بعد فوات الأوان؛ أو من خلال إهمال أو سوء تحليل للمعلومة المتوفرة. ما معنى أن تحمل بطاقة ائتمان أو هاتف محمول معك؟ وغيرها من التطبيقات الخاصة من وسائط أو وسائل التواصل الاجتماعي؟
فالمعلومة في حد ذاتها، تحمل العديد من المتناقضات المنطقية. فمعرفة الأفراد بشكل أفضل يتطلب دراسة دقيقة لمعرفة نقط قوة الأشخاص ونقط ضعفهم: قوة النفوذ؛ قوة التأثير؛ قوة الاستقطاب؛ نقط ضعف متعلقة بحب المال؛ نقط ضعف متعلقة بالفساد؛ نقط ضعف متعلقة بتناول المخدرات والكحول؛ حب السلطة وممارسة القيادة؛ نقط ضعف متعلقة بحب مصاريف الأبهة والكرم الحاتمي؛ نقط ضعف حب التقرب من السلطة من خلال العمالة وحب نقل الأخبار. بفضل عدة علوم كالبيولوجيا والبيولوجيا العصبية وعلم النفس التطبيقي علم النفس التحليلي وغيرها من التقنيات والتجارب. فهم يعرفون عنك أكثر مما تعرف أنت عن نفسك.
وهذا ما يسمى بالحروب السيبيرية؛ أو ما أطلق عليه نعوم تشومسكي باستراتيجيات التلاعب بعقول الجماهير؛ عبر الاستراتيجيات العشرة التالية: استراتيجية الإلهاء؛ خلقُ المشاكل، ثم تقديم الحلول؛ استراتيجية الدَّهْوَرة والقهقرة؛ استراتيجية التأجيل؛ مخاطبة الجماهير كأنهم أطفال صغار أو التطفيل؛ اللجوء إلى الجانب العاطفي، وليس إلى إعمال التفكير؛ إبقاء الجمهور في الجهل والتجهيل والبلاهة؛ تشجيع العامّة على الانغماس في التفاهة والسخافة والرداءة؛ وتعويضُ الثورة بالشعور بالذنب أو تقديم الملامة للنفس؛
الحروب تأخذ عدة أشكال وتمظهرات. وهذا الاختلاف في الحروب يبقى وفق التوظيف الذي تمت فيها. من حيث الغاية والاسباب والغطاء الذي تم تمريرها فيه. وكذا نوع القوة الموظفة في الحرب من حيث درجة القوة، وهنا نميز بين قوة الشرعية وشرعية القوة المستعملة. بحيث نجد الحروب الوقائية والحروب العسكرية الردعية والحروب الاستباقية والحروب بالوكالة والحروب النفسية والرمزية والاستفزازية والحروب الكلامية والحروب الاعلامية والدعاية والإشاعة والمعلوماتية والنووية والذرية والكيميائية والجرثومية والبيولوجية والحروب الفكرية والثقافية والحضارية والحروب الاقتصادية والحروب التكنولوجية والفضائية … وغيرها من المسميات.
التطور الفكري والعلمي والتكنولوجي أصبح يتحدى البشرية المنتجة له. آلة حاسبة بسيطة من صنع الانسان إذا نظرنا إليها بمنظور فلسفي ابستمولوجي؛ فهي ترفع التحدي في وجه الانسان المخترع لها. فهي تمارس عليه نوعا من الاعتباط ونوعا من الاستعلاء والاستقواء. نجد مثلا حاسوبا معينا إذا كان مبرمجا على التحديث الآلي، فبمجرد الانتهاء من تحميل آخر التحديثات، فهو ليس في حاجة ليطلب الادن من صاحبه لكي ينطفئ ويعيد الاشتغال بشكل اوتوماتيكي، وليس هناك من يستطيع الغاء الأمر الذي هو مقدم عليه، وهذه غاية التحدي للإنسان الذي يقف أمامه مشدوها ومذهولان خاصة إذا لم يقم بحفظ المعطيات التي كان بصدد إنجازها.
وهنا لا مجال للحديث عن القيم والأفكار والمعاني. فنحن أمام حرب كل الأسلحة فيها غير محظورة تستعين بتقنيات جد حديثة متطورة؛ يوظف فيها الحاسوب بشكل رئيسي ويمكن تقسيم هذه الحرب إلى أربعة أبعاد هي:
البعد الأول للحرب: هو حرب المعلومات الشخصية؛ وتستهدف بالأساس الاعتداء وانتهاك الخصوصية عبر سرقة بياناتهم الشخصية من صور وفيديوهات وتسجيلات وأرقام وقن سري للحسابات الخصوصية البنكية والمالية والتجسس على بريدهم الإليكتروني. واستعماله من أجل الابتزاز والتشهير والإساءة لسمعتهم. وكمثال على ذلك ما يروج حاليا حول ما يسمى بحساب “حمزة مون بيبي”
البعد الثاني للحرب: حرب المعلومات التجارية والتنافسية؛ التي بين مجموعة من الشركات والمقاولات المتنافسة فيما بينها حول المنتوجات واحتكار السوق. وكمثال على ذلك الولايات المتحدة الأمريكية تلجأ إلى البند 301 من مدونة التجارة للعام 1974؛ واتفاقيات التجارة الخارجية بينها وبين مختلف الدول والذي يخول لوزير التجارة ردع كل ما من شأنه المس بالمصالح الاقتصادية لأميركا؛ وعلى سبيل المثال حماية شركة “آبل” من خلال منع عملاق التكنولوجيا “هواوي” من دخول اسواقها ومن الاستفادة من التحديث من خلال استعمال شبكات الاتصالات الأمريكية. ومثال الهجوم على شركات إسرائيلية من خلال هجوم اليكتروني عن يعد… وغيرها من الصور.
البعد الثالث للحرب: حرب المعلومات التي تقع بين دولة وأخرى على المستوى العالمي، وتتم هذه الحروب من خلال حرب الاستخبارات والتجسس والسيطرة والقرصنة الاليكترونية وسرقة أسرار دولة ما واستخدام وتوجيه هذه الترسانة من المعلومات الفائقة السرية كسلاح ضد الخصم أو الخصوم. وحرب أمريكا على العراق وما صاحبها من ترسانة إعلامية تضليلية؛ كإشاعة توفر العراق على سلاح نووي مدمر وانسياق المنتظم الدولي حول هذا التصور المغلف بمحاربة ظاهرة الارهاب، الذي وظفه ديك تشيني نائب رئيس امريكا وكونداليزا رايس مستشارة الأمن القومي للولايات المتحدة الامريكية وجورج بوش ووزير الدفاع الامريكي دونالد رامسفيلد في الادارة الامريكية.
البعد الرابع في الحرب: ويتجلى في الحروب الاستراتيجية الاستباقية؛ وهذه الحروب يكون الهدف منها فرض نوع من الريادة العالمية والبحث عن موقع متقدم على حساب باقي الدول عبر السيطرة المجهولة المصدر سياسيا واجتماعيا واقتصاديا وماليا وثقافيا.
وفي هذه الحروب تتم الاستعانة، ليس فقط بمهندسي المعلوميات والمتخصصين في مجال الرياضيات؛ بل يتم توظيف باحثين وعلماء ومتخصصين في العلوم الانسانية والتاريخ والجغرافية والفلسفة.
ففي مجال العلوم الانسانية؛ هناك ثلاث عناصر أساسية لفهم كل حضارة من حضارات الشعوب حتى يمكن السيطرة عليها:
أولا: عنصر علم الاجتماع لمعرفة كيفية تفكيك الظواهر الاجتماعية واعادة تركيبها. فمن الاعطاب الكبرى التي تصيب البنية التعليمية في كل التخصصات التقنية؛ الفيزياء والرياضيات والطب… وغيرها هي العداوة للفكر الفلسفي والجهل بالمعطيات التاريخية والجغرافية. فلا يمكن للمعرفة العلمية ان تعرف سبيلا للتطور دون وعيها ببنيتها التاريخية والجغرافية التي كانت وراء سبب وجودها ووصولها لهذا الشكل من الاشكال؛ كيف نشأت وكيف تطورت وكيف عرفت مختلف القفزات العلمية والفكرية. وبالتالي لا تستطيع أية دولة او شعب ما ان ينهض دون الاهتمام بالشأن الثقافي والفكري؛ ولا يكفي الفكر التقني أو العلوم الحقة للنهوض بالأمم.
ثانيا: عنصر التاريخ لمعرفة كيفية تفسير الاحداث والنزعات التسلطية للأنظمة. فاذا ما اريد لظاهرة اجتماعية معينة ان تقبر؛ يسلط عليها المنهاج ذي البعد الواحد او الاحادي الجانب؛ فكل علم معزول عن البعد الفلسفي والتاريخي لن يكون عقلا علميا ولا فكر اشكالات علمية. فالتقنية لوحدها، غير قادرة على التطور لانعدام رافعة العرف التاريخي والبعد الفلسفي القائم على النقد والتجاوز وخلق فضاء مفتوح في القيم والابستمولوجيا. فحينما ندرس التاريخ، لا ندرسه على أساس أنه مجموعة من الأحداث التي وقعت في الماضي القريب أو البعيد؛ وإنما نستحضره ونستدعيه من أجل إيجاد حلول لقضايا وإشكالات مطروحة في الحاضر.
ثالثا: عنصر الجغرافيا لمعرفة مواقعها البشرية والطبيعية والاقتصادية والادارية والخدماتية؛ الجغرافيا هي علم سطح الأرض الذي يدرس توزيع الحياة النباتية والحيوانية والبشرية وآثار النشاط الإنساني في مختلف مجالات الأرض. وتنقسم الجغرافيا إلى قسمين رئيسيين وهما: الجغرافيا الطبيعية والجغرافيا البشرية. وتعنى الجغرافيا الطبيعية بدراسة التضاريس والمناخ والأرض. وتبحث إلى جانب ذلك في المناطق المختلفة في مجال الحيوانات والنباتات المستوطنة بها. أما الجغرافيا البشرية وهي أقرب إلى علم الاجتماع، فتدرس توزيع السكان وأصولهم وعاداتهم وتقاليدهم وعلاقة الإنسان ببيئته وتأثيرها فيه وبالتالي لما نقوم بجمع كل هذه المعطيات حول مجتمع ما تسهل عملية السيطرة والتحكم فيه.
هل يصح القول بأنه عالم افتراضي؟ أم أنه أصبح هو العالم الواقعي الذي يقضي فيه الانسان كل وقته؟ وحتى القول بافتراضي؛ فبالنسبة لمن؟ من يضمن لك أن حقا ابنك متواجد بالبيت وليس في طربورا أو أدغال أفغانيات وسوريا ومع جيوش البغدادي والدواعش والنصرة وجيش المهدي؟ فوفق قانون الاحتمالات الذي لا يخطئ في جزء كبير منه؛ فعلى الأقل يكون ابنك قد زار احدى هذه المناطق ولو مرة واحدة عبر السفر في متاهات هذا العالم الذي يسمى افتراضيا بالنسبة إليك أنت؛ في حين هو عالمه الواقعي؛ حيث لم ولا وليس لك أدنى علم حتى تداهم عناصر الدخيسي التابعة للشرطة القضائية أو عناصر الخيام التابعة للمكتب المركزي للأبحاث القضائية أو FBIالمغرب؛ كما يحلو للبعض أن يسميه؛ المعروفة اختصاراً بـ البسيجBCIJ ؛ بيتك يوما من حيث لا تدري؟
وبالتالي فكل شخص يحمل آلية مراقبة صحبت؛ كالهاتف النقال وبطاقة الائتمان الاليكترونية وحسابات واتساب وفيسبوك وتويتر وانسترغرام وغيرها… ويمكن قراءة إسقاطية نوعا ما لما تتيحه الآية الكريمة من إحالة في إطار المقارنة الضيقة في التعبير؛ “وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا”.
عبر التاريخ هناك مخلوقات عجيبة ذكرها لنا القرآن كانت متخصصة في نقل أو جلب المعلومات والاستخبارات والإخبار والتجسس والتحسس. وهنا يمكن استحضار عدة آيات قرآنية في هذا الاتجاه. نحن هنا لما نرجع إلى القرآن الكريم؛ ليس لدراسته كأحداث في الماضي؛ لا أبدا؛ بل نستحضره ونتخذه منهج حياة لاستخراج مادة للتنميط والقياس واستلهام العبرة، ومن أجل فك لغز في الحاضر يفيد الأمة في شيء ما استعصى فهمه.
نجد في سورة الحجر: “إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُّبِينٌ”. فمن الصعب الوصول الى المعلومة دون ركوب المخاطر. ففي البحث عن المعلومة صعوبة كبيرة جدا؛ فإذا افتضح أمر الجاسوس؛ فهو يعرف أن عقوبة الاعدام في انتظاره. ففي سورة الصافات: “إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِب”. وفي سورة الجن نجد قوله تعالى: “وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا”. وهناك استراق السمع أو “التنصّت”. وهنا نشير الى ان الكثير يستعمل كلمة “التصنّت” قاصدين بها استراق السمع، أو التجسس على أحاديث الآخرين، وهذا المصطلح أي “صَنَتَ” لم يرد في لسان العرب بهذا المعنى؛ إنما الذي ورد نَصَتَ ينصُت من الإنصات؛ نجد في قول الله تعالى:” وإذا قُرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا” فالصواب ادن أن نقول “التنصّت” والفعل منه “تنصّت”. “وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَن يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَّصَدًا”. وفي سورة الدخان نجد الحافظ رقيبا مصداقا لقوله تعالى: “فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُّبِينٍ”.
وفي سورة يوسف: “يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْأَسُوا”. وجمع الخبر يتطلب الكثير من الصبر والتتبع وبشكل جد مضني؛ عبر مسلسل ومسارات محددة ومضبوطة وبدون تسرع وبدون تماطل أو تهور أيضا.
وأيضا في َسورة النمل: “فمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ”.
وحيث أن الخبر يحتمل الصدق والكذب؛ فقد رد عليه نبي الله سليمان بالقول على لسانه كما جاء في القرآن الكريم: “قَالَ سَنَنظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ”؛ وهذا يعني “بتمغربيت” أن نبي الله سليمان لم يكن ” بو ودينة واحدة “.
على الرغم من أن الهدهد قد سكنه نوع من الاستعلاء والاستكبار في تضخيم الخبر الذي نقله بدقة متناهية من خلال وصفه بالخبر اليقين؛ ومخافة أن يكون قد ألحن في حجته بالزيادة أو النقصان؛ فقد أرسله مرة أخرى محملا بكتاب ويرقب عن بعد فقط ليلاحظ ردة فعل قوم ملكة سبأ كما جاء في القرآن الكريم: “اذْهَب بِّكِتَابِي هذا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ”. يا لها من روعة في التتبع وتقييم وتحليل المعلومة التي جاء بها الهدهد.
فالحروب لم تعد تلك التقليدية التي تستخدم منظومة معينة من الجيوش مدججة بالسيوف والنبال والرماح والمجانيق مرورا بالآليات والدبابات والطائرات والصواريخ وغيرها من الأسلحة المتطورة؛ بل أصبت عبارة عن حروب في عالم افتراضي سلاحه الفيروسات الاليكترونية من نوع الطورجان الثلاثي الأبعاد؛ هذا الحصان الذي بواسطته تم اختراق جدار الأمان لقلاع طروادة المدينة اليونانية القديمة المحصنة المعروفة حاليًا بمنطقة الأناضول في تركيا. والرقائق الاليكترونية التي بواسطتها تتم عمليات الاختراق والولوج إلى نظام المعالجة الآلية للمعطيات عن طريق الاحتيال وعرقلة سير هذه الأنظمة من خلال إحداث اضطرابات بها وتغيير طريقة معالجتها عبر التحكم المروري فيها عن بعد.
وبالتالي فإن الحروب لم تعد تلك الحروب التقليدية بالأسلحة المدمرة؛ بل حروب نجد متفجراتها وحقول قنابل موقوتة بين رجلينا وبمنازلنا ونحملها معنا في عنقنا.
فبقدر ما نفعل ننتج كما من المعلومات ونصنع بها الأحداث والتاريخ؛ فلتكن أحداثا وتاريخا مليئا بالأمجاد، لا تاريخا مليئا بالأخطاء والكراهية والأحقاد قد تكلفك حريتك بين الأفراد.